سالي علي
لم تكن قضية تجريد الكورد من الجنسية في سوريا إجراءً إداريًا عابرًا، بل جريمة سياسية ممنهجة، بدأت بما سُمّي )الإحصاء الاستثنائي( عام 1962، واستمرّت لعقود كأداة لإضعاف الوجود الكوردي، وتجريده من أبسط حقوقه الإنسانية والقانونية، في إطار مشروع أوسع استهدف ضرب الهوية الكوردية نفسها، لا مجرد حرمان أفراد من أوراق رسمية.
فالمسألة لم تكن يومًا مسألة )جنسية( فقط، بل جزءًا من سياسة إنكار متكاملة، شملت تغيير الديموغرافيا، ومحاربة اللغة والثقافة، ومنع التسمية القومية، في محاولة لتحويل الكورد إلى جماعة بلا هوية واضحة ولا حضور سياسي.
في عام 2012، وفي ذروة اهتزاز النظام السوري تحت ضغط الثورة، أصدر بشار الأسد مرسومًا يقضي بمنح الجنسية لجزء من الكورد المجرّدين منها. وتشير التقديرات إلى أن نحو 60% فقط استفادوا من هذا القرار. ظاهريًا، بدا المرسوم وكأنه تصحيح لظلم تاريخي، لكنه في جوهره لم يكن سوى مناورة سياسية في لحظة ضعف، هدفت إلى تحييد المناطق الكوردية، وكسر أي احتمال لاصطفاف كوردي موحّد ضد السلطة.
فلو كان الهدف هو العدالة، لكان الحل شاملًا وجذريًا، لا انتقائيًا ومشروطًا. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: آلاف من فئتي )الأجانب( و)المكتومين( ظلّوا بلا هوية، وبلا حقوق، وبلا أفق قانوني واضح، ما يؤكد أن القرار لم ينبع من اعتراف بالخطأ، بل من حسابات أمنية ظرفية.
واليوم، تتكرّر المعادلة نفسها بصيغة جديدة.
وعود، وتسريبات، وقرارات جزئية تُسوَّق على أنها )إنجازات تاريخية(، بينما الحقيقة أنها استمرار لإدارة القضية الكوردية بمنطق التجزئة: حلّ شكلي هنا، وامتصاص غضب هناك، دون الاقتراب من جوهر المشكلة، وهو إنكار الحقوق القومية لشعبٍ كامل.
الأخطر من ذلك، أن بعض الأصوات الكوردية تنخرط في هذا الخطاب، وتتعامل مع إعادة الجنسية كـ)فضل( يُشكر عليه، بدل أن تُطرح كجزء من ملف اضطهاد قومي طويل، لا يُغلق إلا باعتراف سياسي واضح بوجود الكورد كشعب له حقوق جماعية، لا كمجموعة أفراد تُمنح أوراقًا عند الحاجة.
الجنسية ليست هدية، وليست نهاية القضية، هي الحد الأدنى من الحقوق، لا سقف المطالب. فشعبٌ حُرم من لغته، ومن اسمه، ومن تمثيله السياسي لعقود، لا يمكن اختزال قضيته في وثيقة هوية، مهما كانت أهميتها. وإعادة الجنسية، من دون تغيير جذري في التعامل مع الوجود الكوردي، تبقى خطوة ناقصة تُستخدم لتجميل صورة السلطة لا لإنهاء الظلم.
التجربة تثبت أن كل سلطة تلجأ إلى (تصحيح) جزئي في لحظة ضعف، تفعل ذلك بدافع الحاجة السياسية لا بدافع العدالة. وعندما يُدار ملف بحجم الجنسية بهذه العقلية، فهو دليل على أن القضية الكوردية ما زالت تُعالج كملف أمني لا كقضية شعب.
الخلاصة أوضح من أي وقت مضى:
إن لم تُربَط إعادة الجنسية باعتراف صريح بالحقوق القومية والسياسية للكورد في سوريا، وبإنهاء سياسات الإنكار والتهميش، فإن كل قرار من هذا النوع سيبقى مناورة سياسية مؤقتة، لا عدالة تاريخية. فالقضية الكوردية ليست قضية أوراق رسمية، بل قضية أرض وهوية وحقوق شعب.ومن يعيد جزءًا من الحق بعد أن صادر الكل، لا يستحق الشكر، بل المساءلة.