حين يكتب المنتصرون التاريخ: ليست معركة سلاح، بل معركة وعي ووجود

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

كيف تُشيطن قسد ويُستهدف الشعب الكوردي عبر تزوير الرواية.

ليست المسألة أن نُهزم في معركةٍ إعلامية، فالهزائم الإعلامية عابرة، بل الخطر الحقيقي أن نُساق إلى هزيمةٍ في الوعي، وأن يُعاد تشكيل إدراكنا للتاريخ والواقع وفق رواية المنتصر. من هنا جاءت العبارة التي تختصر منطق القوى الغالبة حين تضع يدها على السردية قبل أن تجفّ دماء الضحايا. ففي خضم الحرب العالمية الثانية، قال ونستون تشرشل ببراغماتية فجة تعبّر عن فلسفة القوة: «دعوا الماضي للتاريخ… ولا سيما أنني أنوي أن أكتب ذلك التاريخ بنفسي».

هذه ليست نكتة سياسية ولا زلة لسان، بل قاعدة قاسية حكمت العالم ولا تزال، من يملك السلاح، والمال، والمنبر، يسعى بالضرورة إلى امتلاك الحقيقة ذاتها، أو على الأقل فرض روايته بوصفها الحقيقة الوحيدة. وهنا تحديدًا تبدأ أخطر المعارك، حين يتحوّل القتل إلى رواية، والجريمة إلى “ضرورة”، والضحية إلى متّهم.

يُختصر هذا المنطق في حكايةٍ سياسية شهيرة تُروى عن زمن الحرب العالمية الثانية: قيل إن روزفلت تساءل، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عمّا سيقوله الناس عن القادة المنتصرين. وجاء الجواب المختزل، الذي عبّر عنه ونستون تشرشل في سياقات متعددة خلال الحرب، بمعنى واحد واضح، المنتصرون يملكون سرد التاريخ، ويكتبونه كما يريدون. ليست العبارة نصًا حرفيًا بقدر ما هي قاعدة سياسية قاسية: من يربح القوة والمنبر، يحاول أن يحتكر الحقيقة.

هذا بالضبط ما تفعله اليوم سلطة الجولاني والمنظمات التكفيرية التابعة لها، والمرتزقة الذين يتحركون بأوامر تركيا. لا ينقلون ما حدث، بل ما يريدون للناس أن يصدقوه. يضخّون رواياتٍ مُعلّبة تُجرّم الضحية وتُبرّئ الجلاد، بلا وازع أخلاقي ولا رادع قيمي، ثم يلوّحون بالدين لتلميع القبح، وكأن الشعارات كافية لمسح الدم عن الكلمات.

والأخطر أن التهم المروَّجة ضد قوات قسد والإدارة الذاتية ليست سياسية فحسب؛ إنها في جوهرها هجوم على الشعب الكوردي نفسه. فحين يعجزون عن كسر الإرادة بالسلاح، يحاولون تحويل “نصرٍ ميداني” إلى إعدامٍ للذاكرة والجغرافيا: تشويه التاريخ، نزع الشرعية، وتصوير الكوردي كطارئٍ على أرضه. الهدف النهائي ليس إسقاط كيانٍ إداري، بل القضاء على وجودٍ تاريخي في غربي كوردستان عبر حرب سرديات تُنكر الحق بالجغرافيا وتعيد كتابة الماضي ببلاغات كاذبة ومنابر مأجورة.

لذلك، يا أعزائي، أيها الشعب الكوردي وحراكه، وأيها السوريون الوطنيون الشرفاء، لا يكفي أن نقف موقف الشك أو اللامبالاة أمام سيل الاتهامات والأخبار الكاذبة والمعلومات المضلِّلة التي تُستهدف بها قوات قسد والإدارة الذاتية؛ بل إن الواجب الأخلاقي والوطني يفرض علينا أن نواجه هذه الأكاذيب بوعيٍ نقدي، وأن نفككها، ونكشف زيفها، ونفضحها جملةً وتفصيلًا، دفاعًا عن الحقيقة، وعن كرامة شعبٍ يُستهدف في وجوده قبل مواقفه.

كل ما يُساق عن “السجناء” و“الأنفاق” و“إطلاق سراح الدواعش” وسائر الروايات المُفبركة، مطعونٌ فيه ابتداءً. حتى لو أُلصقت به “فتاوى” عبر تأويلات فقهاء منافقين، وما أكثرهم اليوم؛ من بقايا ضباط بعثٍ اكتشفوا اللحية فجأة، إلى معارضي معيشةٍ على النفاق، إلى رؤساء فروع أمنية قديمة أعادوا إنتاج أنفسهم بوجوهٍ جديدة، لكن بالعقلية ذاتها.

الخلاصة واضحة، حين يصبح الكذب سياسة، يصبح تصحيح الحقيقة واجبًا لا ترفًا. وحين تُشيطن الحقيقة، يكون الصمت مشاركةً في الجريمة. المعركة هنا ليست على خبرٍ عابر، بل على حق شعبٍ في تاريخه وجغرافيته ووجوده.

قد يعجبك ايضا