سيار تمر صديق الريكاني
دهوك – كوردستان
منذ انطلاق قناة الجزيرة، ارتبط اسمها بوعد إعلامي طموح اختصر في شعار بدا، للوهلة الأولى، تعبيرا عن نضج إعلامي طال انتظاره في الفضاء العربي(الرأي والرأي الآخر) غير أن هذا الشعار، في جوهره، ليس مجرد إتاحة منبر للاختلاف، بل التزام أخلاقي صارم باحترام التعدد، وضبط النقاش، ومنع انزلاقه إلى التحريض أو نزع الإنسانية عن أي طرف.لكن هذا الوعد، في بعض الممارسات، تحول من قيمة مهنية حاكمة إلى غلاف شكلي، يستدعى عند الحاجة، ويهمل حين تتقدم الإثارة، وترتفع نبرة الصدام على حساب المسؤولية.
يعد برنامج الاتجاه المعاكس، الذي يقدمه فيصل القاسم، أحد أكثر البرامج العربية إثارة للجدل. وقد بنيت شهرته على الصدام الحاد، وكسر المحرمات، ورفع سقف الخطاب. غير أن الجرأة، حين تنفصل عن الأخلاق المهنية، لا تعود فضيلة، بل تتحول إلى فوضى خطابية، وحين تنتزع من سياق العدالة، تصبح أداة ظلم لا أداة كشف.
أولا: من (الرأي الآخر)إلى شرعنة خطاب الكراهية:-
وفق المعايير المستقرة في أخلاقيات الإعلام، لا يعد كل ما يقال (رأيا) صالحا للبث. فالرأي—إن كان صادما—يفترض الاعتراف بإنسانية الآخر وحقه في الوجود. أما الدعوة إلى سحق جماعة قومية، أو تصويرها كخطر يجب إزالته، فهي ليست رأيا، بل خطاب كراهية صريح.
حين تمنح مثل هذه الدعوات منبرا واسعا على الهواء، دون مساءلة حازمة أو تفكيك نقدي واضح، فإن الإعلام لا يعكس (الرأي الآخر)، بل يشرعن الإقصاء، ويمنح التحريض غطاء مهنيا زائفا. فالمذيع، في هذه الحالة، لا يكون ناقلا محايدا، بل فاعلا مشاركا في إعادة إنتاج الخطاب، حتى لو لم يتبنه لفظيا. (الإعلام لا يقاس فقط بما يقوله، بل بما يسمح بمروره، وبما يختار السكوت عنه).
ثانيا: التناقض الأخلاقي وسقوط الاتساق القيمي:-
الأكثر إيلاما في هذا السياق ليس مضمون الخطاب وحده، بل من أدار المشهد.
فيصل القاسم، الذي قدم نفسه طويلا بوصفه مدافعًا عن المظلومين، وناقدا شرسا لدكتاتورية ال الأسد ( ابا وابنا )، بدا في هذا النموذج وكأنه ينقلب على المبادئ ذاتها التي رفعها يوما.فكيف يمكن لمن ناصر ضحايا الاستبداد أن يسمح بخطاب يستبطن منطق الاستئصال ذاته، وإن اختلفت الجهة المستهدفة؟
في التحليل الأخلاقي، لا تقاس المواقف بهوية الضحية، بل بثبات المبدأ. فالاستبداد ليس حكرا على سلطة سياسية، بل عقلية ترى في (الآخر) خطرا يجب إلغاؤه. وحين يستبدل القمع السياسي بقمع إعلامي، تتغير الأدوات، لكن الجوهر يبقى واحدا.فالسقوط الحقيقي هنا ليس في زلة عابرة، بل في فقدان الاتساق القيمي: أن تدافع عن المظلوم حين يخدم سرديتك، وتبرر استهدافه حين يناقضها.
ثالثا: التأطير الإعلامي وتحويل الكراهية إلى (اختلاف مشروع):-
من منظور دراسات الإعلام (Framing & Agenda Setting)، لا تكمن خطورة البرامج الحوارية في الضيوف وحدهم، بل في طريقة إدارة النقاش وتأطيره. اختيار الضيوف، توزيع الوقت، صياغة الأسئلة، درجة المقاطعة أو الصمت—كلها عناصر تصنع الرسالة النهائية. حين يقدم خطاب شوفيني في إطار (رأي جريء)، فإن البرنامج لا يعكس التعدد، بل يعيد تأطير الكراهية بوصفها اختلافا مشروعا. وهنا يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى فاعل أيديولوجي، يطبع الإقصاء ويقدمه بوصفه جزءا طبيعيا من النقاش العام.هذا النوع من التأطير لا ينتج وعيا، بل يرسخ الانقسام، ويمنح الشرعية للغة الإلغاء، ويقود المجتمعات نحو مزيد من التشظي.
رابعا: الكورد بين واقع المظلومية وخطاب الإنكار:-
تبلغ المفارقة ذروتها حين يكون المستهدف بهذا الخطاب مكونا عانى تاريخيا من التهميش والإنكار والقمع. فالكورد في سوريا لم يكونوا يوما جزءا من منظومة الاستبداد، بل كانوا، ولا يزالون، من أكثر ضحاياه: إنكار للهوية، مصادرة للغة، قمع سياسي، وتهميش اقتصادي واجتماعي. فبدل أن يكون الإعلام مساحة لتفكيك هذه المظلومية التاريخية، وتحليل جذورها، يتحول—في مثل هذه الخطابات—إلى أداة إعادة وصم، تقدم الكورد بوصفهم (مشكلة)، أو (خطرا)، أو عائقا أمام الدولة.
وهنا لا يعود الصمت الإعلامي حيادا، بل يصبح مشاركة ضمنية في الإنكار. فحين يختزل شعب كامل في صورة العدو، ويجرد من سياقه التاريخي، فإن الإعلام يكون قد تخلى عن أبسط واجباته الإنسانية.المفارقة الأخلاقية هنا فادحة من يدعي الدفاع عن الشعوب ضد الطغيان، لا يملك الحق في الصمت حين يعاد إنتاج الطغيان نفسه ضد شعب آخر، وبالأدوات ذاتها، وإن تغيرت اللغة.
خامسا: مسؤولية الإعلامي وحدود الجرأة:-
الإعلامي الحقيقي لا يقف على مسافة واحدة من الضحية والجلاد، ولا يختبئ خلف (الحياد) حين تنتهك الكرامة الإنسانية. فحرية التعبير لا تعني حرية التحريض، و(الرأي الآخر) لا يعني تبرير الدعوة إلى الإلغاء.
الجرأة الإعلامية ليست في رفع الصوت، بل في حماية القيم حين تكون تحت الاختبار. والمهنية لا تعني إدارة العراك، بل إدارة المعنى، وضبط النقاش، والانحياز الصريح للإنسان.
إن استمرار نماذج إعلامية تستبدل المعرفة بالإثارة، والنقاش بالصدام، لا يسيء إلى برنامج أو مقدم فحسب، بل يلحق ضررا عميقا بصورة الإعلام العربي كله، ويراكم خيبة جمهور كان يبحث عن وعي، فإذا به يدفع نحو الكراهية والانقسام.
خاتمة: حين يخون الإعلام مبادئه: فيصل القاسم أمام امتحان أخلاقي وإنساني:-
هذه ليست رسالة كراهية، بل محاسبة أخلاقية صارمة لا تحتمل التلطيف. فالإعلامي، وإن لم يملك دبابة أو سجناً، يملك ما هو أخطر: المنبر والكلمة. والكلمة حين تنفلت من قيمها تتحول من أداة وعي إلى سلاح هدم، ومن رسالة إنصاف إلى شريك في صناعة الظلم.
إلى فيصل القاسم:
لقد ارتبط اسمك بمحاربة الاستبداد والدفاع عن المظلومين، لكن حلقاتك الأخيرة كشفت انقلابك على المبادئ التي زعمت تمثيلها. فاستضافت صوتين متعارضين حول قضية الكرد: أحدهما يدافع عنهم، والآخر يدعو إلى سحقهم. لم يقتصر خطأك على منح الطرف المتطرف منصة، بل انحازت إليه علنا، وتغافلت عن الحق والإنسانية، لتصبح طرفا في خطاب الإقصاء نفسه. هذا الانقلاب ليس مجرد زلة، بل كشف قناعك وفضح حقيقتك أمام الجمهور.
البرنامج، الذي يفترض أن يعكس اختلاف الرأي ويحمي الإنسانية، مارس التأطير الممنهج للكراهية وحولها إلى مشروعية. لم يعد القاسم ناقلا محايدا أو ميسرا للنقاش، بل شريكا في خطاب التحريض والإقصاء، يضفي الشرعية على لغة الإلغاء والتجريد من الإنسانية.
الكورد، الذين عانوا عقودا من الظلم السياسي والاجتماعي في سوريا، أصبحوا اليوم هدفا لمنبر يفترض أنه نصير للعدالة. لم تكتف بالصمت، بل سمحت لخطاب يسعى إلى طمس الهوية وتشويه التاريخ أن يحظى بالشرعية الإعلامية، ليظهر أن الدفاع عن الإنسان عندك متوقف على هويته لا على معاناته.
ومن هنا، تظهر قسوة المسؤولية الأخلاقية: من يسقط في امتحان المبادئ بهذه الطريقة، لا يحق له التحدث عن الحرية، ولا الدفاع عن الإنسان، ولا التظاهر بالجرأة والشجاعة الإعلامية. ما تسميه (اتجاها معاكسا) لم يعد سوى فضيحة مهنية وأخلاقية، وقناع سقط عن وجه الإعلام العربي. الزمن لن ينسى هذا الانقلاب على القيم، ولن يغفر للجمهور الذي خانته المنابر باسم الجرأة والشجاعة، ولا لمن اختار الصمت حين كانت العدالة على المحك.
ليكن هذا الدرس الأخير: تأديب الكلمة قبل أن تؤدبها الوقائع، وإلا ستظل أفعالك شاهدة على سقوطك في امتحان الإنسانية الذي لا يغتفر. فالمنبر مسؤولية قبل أن يكون قوة، والحق لا يقبل التجزئة، والإنسانية لا تنتقى حسب الهوية أو الانتماء.