القضية الكوردية بين البراغماتية والمثالية: دراسة في فلسفة القوة والحق

د. ابراهيم الشرفاني
أستاذ مساعد – القانون الدستوري والنظم السياسية

المقدمة

تُعدّ القضية الكوردية، منذ بدايات القرن العشرين عقب اتفاقية سايكس–بيكو، نموذجاً بارزاً لتجسيد التوتر البنيوي في السياسة الدولية بين منطق البراغماتية ومنطق المثالية. فقد ظلّت التجربة الكوردية، عبر مراحلها المختلفة، مختبراً حياً لفهم العلاقة الجدلية بين القوة والحق في الممارسة السياسية، سواء في إطار الدول التي قسمت كوردستان أو في سياق التحالفات الخارجية المؤقتة والحقوق الدستورية المعلّقة.

– الأكراد في المشهد الإقليمي الراهن

يحتل الأكراد موقعاً محورياً في المعادلة الإقليمية المعاصرة. إذ تسعى الولايات المتحدة، عبر تدخلها المباشر وغير المباشر، إلى توظيف النفوذ الكوردي لمنع هيمنة قوى إقليمية منافسة وضمان استقرار ما يُسمى بـ”سوريا الجديدة”.
وفق المنظور الواقعي، تُقاس السياسة بميزان القوة والقدرة على النفوذ؛ حيث يمتلك الأكراد أدوات سياسية وعسكرية تخوّلهم فرض شروط ملموسة قبل الانخراط في أي تعاون استراتيجي، وتحويل هذا النفوذ إلى مكتسبات دائمة.

– الحق الدستوري وحدود القوة

ينص الدستور العراقي على حقوق واضحة لإقليم كوردستان، ومن أهمها:
• المادة 117: الإقرار بالفدرالية.
• المادة 112: إدارة الموارد الطبيعية.
• المادة 121: حماية القوات المسلحة المحلية.

أما في الحالة السورية، فقد جرى التوصل إلى تفاهم سياسي بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق، غير أنّ هذا التفاهم لم يُنفذ عمليًا على الأرض. وتؤكد هذه التجربة أنّ القوة وحدها لا تكفي لضمان التنفيذ، وأن الحق وحده يظل هشاً إذا لم يرافقه نفوذ سياسي وعسكري.

– البُعد الفلسفي

تناولت الفلسفة السياسية منذ أفلاطون وحتى رولز التوتر بين المبدأ والفاعلية:
• أفلاطون: العدالة معيار ثابت منبثق من الطبيعة الأخلاقية للحق.
• ميكيافيلي: الحاكم الفعّال يوازن بين الأخلاق والمصلحة لضمان الاستقرار.
• هوبز: القوة هي الضامن الوحيد للحق، والعقد الاجتماعي لا يصمد إلا بوجود سلطة قاهرة.
• رولز: العدالة كإنصاف، حيث تُبنى الشرعية على توزيع عادل للحقوق والفرص.

التجربة الكوردية المعاصرة تجسد هذا التناقض؛ إذ تُعامل القوى الكبرى قضية عادلة سياسياً وفق مصالحها اللحظية، لا وفق الحق الثابت.

– المقارنة مع الباسك والكاتالونيا

• الباسك: حصلوا على حكم ذاتي موسّع في إطار الدستور الإسباني، مع مؤسسات محلية قوية واعتراف بالهوية الثقافية واللغوية. ومع ذلك، ظلّت النزعة الانفصالية قائمة، خصوصاً مع تاريخ العنف السياسي الذي مثّلته منظمة “إيتا”.
• الكاتالونيا: رغم تمتعهم بحكم ذاتي واسع، شهدت إسبانيا أزمة دستورية كبرى عام 2017 إثر إعلان الانفصال من جانب واحد، ما أبرز التناقض بين الحق الدستوري والحق السياسي، وبين قوة الدولة المركزية والقوة الشعبية.

يتضح من هذه المقارنات أن الحقوق الدستورية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار، وأن القوة السياسية والاجتماعية تظل عنصراً حاسماً في تحويل الحق إلى واقع فعلي. الفرق الجوهري أن القضية الكوردية محكومة بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، بينما الباسك والكاتالونيون يتحركون ضمن إطار دولة ديمقراطية أوروبية مستقرة.

– الاستنتاج

تُظهر التجربة الكوردية، كما تُظهر التجارب الباسكية والكاتالوني، أنّ السياسة الدولية والوطنية غالباً ما تُدار وفق مبدأ المنفعة العليا لا وفق الحق بذاته. فالاعتماد على الدعم الخارجي أو على النصوص الدستورية وحدها لا يكفي لتحقيق العدالة، بل يتطلب الأمر توازناً دقيقاً بين النفوذ والشرعية القانونية.
وعليه، فإنّ التحالف مع القوى الدولية، ضمن شروط مكتوبة وواضحة، يمثل الطريق الأكثر فاعلية لتحويل النفوذ الكردي إلى مكتسبات دائمة وضمان استقلال سياسي ودستوري. وهنا تتجسد فلسفة الحداثة السياسية: الحق بلا قوة غالباً ما يُهدر، والقوة بلا حق تتحول إلى استغلال.

– الخاتمة

القضية الكوردية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل درس مستمر في الفلسفة السياسية الحديثة، حيث تتجلى الطبيعة المركبة للعدالة والنفوذ والمصلحة. وبالمقارنة مع الباسك والكاتالونيين، يتضح أن جدلية الحق والقوة ليست محصورة في الشرق الأوسط، بل هي سمة بنيوية في كل الحركات القومية الساعية إلى تقرير المصير، وإن اختلفت السياقات والنتائج.

قد يعجبك ايضا