احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

 

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

 

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء السادس والعشرون

أعود الى وضعي الشخصي, فبعد أن قضيت فترة قصيرة في المكتب، جاءني أحد الأقارب مبعوثاً من قبل المرحوم عبد الستار شكر أحد ضباط الشرطة، والذي كان يعمل في دائرة الأمن, وكان هذا الضابط تربطه بنا علاقات صداقة قديمة وكان من ذوي المواقف المتعاطفة مع الثورة الكوردية، ولا يخفي عنا أي اجراء كانت السلطة تنوي إتخاذه ضدنا, فأخبرني قريبي ذاك عن لسان الضابط المذكور، بنية السلطات إلقاء القبض علي في الصباح الباكر من اليوم السادس من حزيران 1963 ،وأن قوائماً قد أوردت بأسماء الذين سيلقى القبض عليهم, ويتم التنفيذ بالنسبة لهؤلاء في اليوم التاسع من الشهر نفسه, وعلى أثر ذلك تركتُ مكتبي وذهبتُ الى دار أحد أبناء عمومتي وهو حسن كانبي ده زيي, وكانت داره تقع في محلة طيراوه, وكان موعد مغادرة والدتي للمستشفى وهو بعد ظهر ذلك اليوم, فلم أتمكن من الذهاب الى المستشفى شخصياً، بل أرسلت أحد أقاربي المتواجدين في تلك الدار وهو عثمان شقيق حسن كانبي, الذي ذهبت الى داره وطلبت من عثمان مرافقة والدتي الى دار شقيقي كاك أحمد في محلة آزادي، وإخبارها بأنني لن أتمكن من المجيء الى المستشفى لإنشغالي بأمور هامة, كما أوصيت الشخص نفسه بإقتناء بدلة ملابس كوردية واحضارها  لي سريعاً, وبعد أن ارتديت تلك الملابس أرسلت في طلب عمتي أم كاكه _وهي والدة زوجتي_ بأن تحضر الى تلك الدار وتجلب معها ولدي (شيروان) الذي كان يبلغ الثامنة من عمر ه و (بارزان) الذي كان عمره أقل من خمس سنوات, وكذلك احضار قطعة السلاح العائدة لي والموجودة في الدار.

 

 

 

وحضرت أم كاكه ومعها الأولاد وقطعة السلاح، وبعد أن أفهمتها بنيتي في الإلتحاق بالثورة الكوردية، أيدتني وشجعتني دون أن يفهم الأولاد أي شيء, وكانت المرحومة عمتي هذه من المؤيدات للثورة الكوردية، وكان وضعها المالي لا بأس به يومذاك, فكانت دوماً تبعث بالمساعدات والملابس الجاهزة للثوار, وعندما تذهب صيفاً الى قريتها (بيرداود) القريبة من مدينة أربيل، تستضيف دوماً في دارها وبطرق سرية الكوادر الحزبية وأفراد البيشمركه, ريثما يكملون مهماتهم، لذا اصبحت معروفة في أوساط الثورة في المنطقة وبين الكوادر الحزبية, وثم ناولت الأطفال بعض النقود وأفهمتهم بأنني مسافر لبضعة أيام فعادوا جميعاً الى الدار.

وبينما كنت أنتظر غروب الشمس لمغادرة مدينة أربيل، اذا بأحد أقاربي الآخرين وهو المرحوم يوسف عزيز يدخل فجأة, ولما كان على علاقة ببدرالدين علي متصرف أربيل وببعض الضباط الاخرين، فقد راودتنا المخاوف بعد أن شاهدني وأنا أرتدي الزي الكوردي, قال لي فجأة: (إنك ملتحق بالمتمردين)!, فأنكرت ذلك وأخبرته بأنني ذاهب الى قريتنا للإشراف على الحصاد, فترك الدار وأيقننا بأنه ذاهب للوشاية  بي, فتركت الدار المذكورة وذهبت الى دار أخرى تعود لقريبنا الآخر وهو محمد أحمد ده زيي المشهور ب(الدكتور سه رسوور) نظراً لشعره الأحمر.

وكنت قد أرسلت خبراً لإبن عمي ابراهيم رحمان آغا، الذي وصل بعد صلاة العشاء ومعه سيارة جيب خصوصية يقودها المدعو خسرو نورالدين، وهو من الفرسان المرتزقة ومن عائلة الميران في شقلاوه، ويمت الينا بصلة قرابة وصداقة عائلية قديمة, كان خسرو شاباً بمقتبل العمر ومعه خمسة أو ستة رجال مسلحين, وكنت على عجل أريد المغادرة بأسرع وقت، حتى أنني لم أتناول طعام العشاء وذلك خوفاً من قيام أحمد عزيز الذي ذكرته سابقاً بالوشاية بي, وعلمتُ فيما بعد بأن يوسف قد عاد في اليوم الثاني وأخبر اهل الدار  بأنه واثقاً من التحاقي بالمتمردين!! (ولكن كيف يخطر ببالهم بأنني سوف أشي به؟ هذا محال أن أقوم به).

استقليت السيارة المذكورة وجلست في المقعد الخلفي بين الرجال المسلحين، وكان يقودها خسرو بنفسه, وقد كان مقرراً أن يوصلني الى ضواحي المدينة وخارج الطرق العامة، لتنقلني سيارة أخرى تنتظرني هناك, وقد جرى ترتيب كل ذلك من قبل سائق سيارة الأجرة المدعو (الحاج سليمان الحاج صادق)، بعد أإن أخبره ابن عمي ابراهيم رحمان آغا بالموضوع, كان المرحوم الحاج سليمان عضواً نشيطاً في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وكان يعيش في قرية (سوربه ش) القر يبة من قريتنا، اضافةً الى انه كان قد اقتنى سيارته تلك من مكتبنا منذ سنة 1955 وكان على معرفة جيدة بنا وصديقاً لنا.

 

“ذهبت مع خسرو بسيارته وعند وصولنا الى الشارع الفاصل بين محلة سيداوه وبقية مناطق أربيل، اذا بسيارة عسكرية مدرعة (من ناقلات الجنود) تسبقنا وتشير لنا بالوقوف, ففعلنا ونزل عدد من الجنود وأفراد الحرس القومي من العربة المذكورة، وعرفت من بينهم المدعو (ياسين القصاب) ذلك الشرطي السيء الذي أشرت اليه في الجزء الأول من هذا الكتاب، والذي كان يلاحقني بعد اشتراكي في احدى المظاهرات في كانون الثاني من العام 1949, الا انه ومن حسن حظي لم يتقدم نحو سيارتنا بل ظل واقفاً جنب العربة المدرعة, وتوجه شخص اخر نحونا وألقى نظرة سريعة داخل السيارة وتعرف على صاحبها، ولم يجلب النظر كثيراً في داخلها وأمر بالانصراف متبادلاً كلمات التحية والمحبة مع خسرو”

 

أعود فأقول, ذهبت مع خسرو بسيارته وعند وصولنا الى الشارع الفاصل بين محلة سيداوه وبقية مناطق أربيل، اذا بسيارة عسكرية مدرعة (من ناقلات الجنود) تسبقنا وتشير لنا بالوقوف, ففعلنا ونزل عدد من الجنود وأفراد الحرس القومي من العربة المذكورة، وعرفت من بينهم المدعو (ياسين القصاب) ذلك الشرطي السيء الذي أشرت اليه في الجزء الأول من هذا الكتاب، والذي كان يلاحقني بعد اشتراكي في احدى المظاهرات في كانون الثاني من العام 1949, الا انه ومن حسن حظي لم يتقدم نحو سيارتنا بل ظل واقفاً جنب العربة المدرعة, متأبطاً سلاحه الآلي, وتوجه شخص اخر نحونا وألقى نظرة سريعة داخل السيارة وتعرف على صاحبها، ولم يجلب النظر كثيراً في داخلها وأمر بالانصراف متبادلاً كلمات التحية والمحبة مع خسرو, فتنفسنا جميعاً الصعداء وتركنا المكان مسرعين, وفي أول فرصة خرج خسرو من الشارع سالكاً طريقاً ترابياً شرقي المدينة, وبعد دقائق شاهدنا سيارة واقفة في أحد المنخفضات تعرفت عليها فوراً فكانت سيارة صديقنا الحاج سليمان, وبعد أن رحب بي واستقبلني ضاحكاً, ودعتُ خسرو ورجاله وشكرتهم على تعبهم وصعدت سيارة الحاج سليمان وتوجهنا نحو كويسنجق, وتبادلنا مختلف الأحاديث, ونظراً لوعورة الطريق آنذاك حيث لم يكن مبلطاً بعد وكان من الصعب أن تجتازه السيارات الصالون، لذا فإن الحاج سليمان أوصى سيارة أخرى من نوع الجيب لإنتظاري في قرية حصاروك التي كانت تعود ملكيتها لنا, فنزلنا في دار المرحوم الحاج قادر وسمان وكيلنا في القرية المذكورة لإدارة أعمالنا.

 

 

وبعد استراحة قصيرة في دار الحاج قادر غادرتها بالسيارة الأخرى وكانت تعود لأحد الحزبيين أيضاً, وودعت الحاج سليمان الذي رفض استلام أجور السيارة, كما ودعت الحاج قادر وأوصيته بأن يذهب الى دارنا ولتطمينهم بسلامة مغادرتي الى كويسنجق, والذي ذهب في الصباح الباكر الى دارنا ووجدها محاطة بقوات الجيش والأمن لإلقاء القبض علي وبصعوبة تمكن الحاج قادر من النجاة بنفسه.

أيامي في كويسنجق

وصلت كويسنجق في ساعة متأخرة من الليل وتوجهت الى دار المرحوم كاكه زياد (محمد زياد آغا الغفوري)، وهو صديقنا وقريبنا في نفس الوقت ومن الشخصيات الوطنية والقومية البارزة وأشغل منصب النائب الثاني لرئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني عند تشكيله في السادس عشر من آب سنة 1946 ،بناءً على توصية مؤسس الحزب ورئيسه الزعيم مصطفى البارزاني. وفي دار كاكا زياد التقيت بكل من علي عبدالله وعمر مصطفى الملقب ب(عمر دبابه) وكانا عضوين في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ومن أصدقائي القدماء، وكذلك التقيت بأصدقاء اخرين ورحبوا بي جميعاً وقضينا بعض الوقت معاً، واستغربوا لحضوري فرويت لهم تفاصيل الوضع وقضيت تلك الليلة هناك, وفي اليوم التالي غادر علي عبدالله كويسنجق عائداً الى منطقة عمله في ماوه ت بمحافظة السليمانية حيث مقر المكتب السياسي في تلك المنطقة.

فقضيت نهار السادس من حزيران في دار كاكه زياد حيث جاء الكثيرون للسلام عليَ والترحيب بي, وفي ساعة متأخرة من مساء ذلك اليوم, وصلت الدار سيارة جيب اخرى عائدة لسائقها محمد عزيز الملقب (محمد به ربه يار) وهو من أعضاء الحزب ومن معارفي القدماء، وكان يعمل قبل التحاقه بالثورة في كراج السيارات الواقع مقابل مكتبي والعائد للمرحوم جلال عبدالله المختار (جلال عبدوك)، الذي أشرت اليه سابقاء وكان يلتقي بنا كثيراً ويتردد على مكتبي, وكان يرافقه شخص آخر هو محمد مولود من قريتنا ومن اتباعنا ومعتمدينا الشخصيين ومن المقربين الينا منذ القدم, وكان والده مولود هدايت من أقرب مرافقي والدي ومن أشجعهم وشقيقه المرحوم سليمان كان من ضباط الجيش القدماء، ومن أصدقاء شقيقي كاك احمد المقربين وتوفي في لبنان سنة 1946 ،حيث كان يعالج من مرضه وهو لا يزال في ريعان شبابه, ولما سألتهم عن سبب قدومهم أخبروني بأن قوة عسكرية كبيرة قد وصلت المنطقة، وباشرت بالهجوم على مقر الأنصار في احدى القرى الواقعة في سفح جبل قره جوغ الذي أشرت اليه سابقاً, ووقعت معركة كبيرة دامت النهار كله وتكبد الجيش والمرتزقة خسائر فادحة واضطرت قوات الجيش للإنسحاب، بعد إن تركت جثث القتلى  في ميدان المعركة, فصدق حدسي عندما شاهدت تلك القوة في اليوم السابق وهي متوجهة الى طريق مخمور.

وقد ذكر القادمون المذكورون بأن الأنصار ايضاً باشروا بسحب مقرهم الى جبل (ديده وان) وذلك لنية الجيش في تعزيز قواته ومحاصرة الجبل في اليوم التالي, وأنهم قد جاؤا طلباً للعتاد واللوازم الأخرى, وقد اندهشوا هم أكثر لمشاهدتي, وبعد فترة وجيزة وبعد أن حصلوا على العتاد المتوفر، عادوا الى مقرهم الجديد, واغتنمت هذه الفرصة فحررت رسالة الى شقيقي كاك احمد المتواجد في ذلك المقر، كما أخبروني والذي شارك الأنصار في تلك المعركة, وشرحت له في الرسالة تفاصيل الوضع وأسباب التحاقي بالثورة.

بعث عمر دبابه الذي كان منسباً من قبل قائد الثورة مصطفى البارزاني للاتصال بالسلطات, ببرقية الى قيادة الفرقة الثانية والجهات المختصة الأخرى محتجاً على اعتداء الجيش على مقرات منتسبينا في جبل قره جوغ, وقد ورد الجواب بأنه لا علم لهم بوجود مقرات لقواتنا من البيشمه ركه في تلك المنطقة, وكان واضحاً من البرقية الجوابية أن السلطات تريد التماطل وتحاول كسب الوقت لحين حلول ساعة الصفر وشن هجومهم العام.

 

 

“علمت فيما بعد وعند عدم العثور عليَ في داري أثناء التحري عني، بأنه قد ألقي القبض على عائلتي بجميع أفرادها وحتى الأطفال الرضع، وكذلك على عمتي أم كاكه, وتعرضت بقية الأسرة –عائلة شقيقي كاك أحمد ووالدتي- للمطاردة والملاحقة. كما وعلمت أيضاً بأن شقيقي الأصغر عمر الذي كان يدرس خارج العراق، وكان متواجداً في أربيل لقضاء إجازته، وكذلك وريا ابن شقيقي كاك أحمد قد التحقا بصفوف الثورة نتيجة الضغوط والملاحقة التي لقياها”

 

كان من الممكن بالنسبة لي البقاء في مدينة أربيل وتحمل الوضع فكنت أتعرض للتوقيف لبضعة أشهر ثم يُطلق سراحي أسوة بالآخرين, أو كان من الممكن أن يكون الموقف اسوأ بكثير من ذلك بالنسبة لي وقد تكون حياتي معرضة للخطر, ولكن في جميع الأحوال لم يكن بوسعي تحمل هذه الأوضاع والاعتداءات والاهانات من العدو والمرتزقة, وكان من غير الممكن القبول بهذا الظلم والاضطهاد الذي يجري أمام عيني, والمرتزقة والحاقدون يصولون ويجولون ويعتدون على الناس الآمنين, وكان من غير الممكن تحمل الشماتة والسخرية والاهانات من الحثالات, لذا استقر رأيي بعد تفكير طويل على الإلتحاق بالثورة الكوردية مهما كانت النتائج.

وعلمت فيما بعد وعند عدم العثور عليَ في داري أثناء التحري عني، بأنه قد ألقي القبض على عائلتي بجميع أفرادها وحتى الأطفال الرضع، وكذلك على عمتي أم كاكه, وتعرضت بقية الأسرة –عائلة شقيقي كاك أحمد ووالدتي- للمطاردة والملاحقة. كما وعلمت أيضاً بأن شقيقي الأصغر عمر الذي كان يدرس خارج العراق، وكان متواجداً في أربيل لقضاء إجازته، وكذلك وريا ابن شقيقي كاك أحمد قد التحقا بصفوف الثورة نتيجة الضغوط والملاحقة التي لقياها, وكذلك بعد أن هاجمت قوات الجيش والمرتزقة دورنا الريفية في قرية دوكردكان ، أضرموا النار فيها ونهبوا ممتلكاتنا ومحاصيلنا الزراعية.

وخلال الأيام القليلة من وجودي في كويسنجق كان الوضع العام سيئاً للغاية وعلى وشك الانفجار, وكان من الواضح أن النظام الجديد سوف يشن الهجوم بين ساعة وأخرى وأنه بانتظار ساعة الصفر فقط, وان قوات البيشمركه اخذت تستعد وتتهيأ تحسباً لكل طارئ.

 

 

قد يعجبك ايضا