مظفر الفيلي
كما هو معلوم، تتكوّن معظم دول العالم من فسيفساء متنوّعة من القوميات والأديان والمذاهب، إضافة إلى أقليات قومية ومذهبية متعددة. غير أنّ في العراق مكوّنًا يتميّز بخصوصية فريدة قوميًا ومذهبيًا، وهو المكوّن الفيلي. فالفيلي كوردي–لوري من الناحية القومية، ومسلم شيعي من الناحية الدينية والمذهبية، وهي خصوصية نادرة تميّزه عن بقية المكوّنات العراقية.
لقد كان للفيليين دور واضح ومشهود في الحركة الوطنية التحررية، وأسهموا بنضالهم وجهودهم كعراقيين منذ العهد العثماني في إشعال الثورات والانتفاضات الشعبية، جنبًا إلى جنب مع أبناء وطنهم، بعيدًا عن أي تمييز عنصري أو عرقي أو طائفي أو ديني. فالعراق هو أرض الآباء والأجداد للفيليين منذ آلاف السنين، كما تؤكّد ذلك المصادر التاريخية والآثار القديمة. ولا يخفى أنّ الفيليين عاشوا في العراق وإيران منذ عصور ما قبل التاريخ، ومن هنا فإن وجود فيليين عراقيين وآخرين إيرانيين أمر طبيعي، إذ إن الهوية الفيلية لا تنحصر بدولة بعينها، خلافًا لما تروّج له بعض القراءات المتحجرة. لذلك نشأت بينهم روابط اجتماعية وأسرية وقومية ومذهبية مشتركة، إضافة إلى وحدة العادات والتقاليد والتراث والفلكلور.
منذ تأسيس المملكة العراقية عام 1921، أدّى الفيليون دورًا بارزًا في دعم استقرار الدولة، وأسهموا بجهود كبيرة في خدمة الوطن، من خلال بناء المساجد والحسينيات في مناطق سكناهم ببغداد وعدد من المحافظات الأخرى. كما أسّسوا جمعية المدارس الفيلية التي ضمّت مدارس ابتدائية ومتوسطة وإعدادية، إلى جانب تأسيسهم لعدد من الأندية الرياضية، وفي مقدمتها نادي الفيلية الرياضي. وقد كان لهذه المؤسسات دور تربوي وثقافي مهم في خدمة المجتمع العراقي، علمًا أنّ تمويلها وإدارتها كانت تتم ماديًا ومعنويًا من قبل التجار الفيليين.
وبرز حضور الفيليين في بغداد بشكل لافت، حتى إن بعض العشائر العربية، مثل عشيرة الربيعي، كانت تقول: «الفيليون منا ونحن منهم»، تعبيرًا عن عمق الاندماج والمحبة والدور الوطني. وأسهم أبناء هذا المكوّن في مختلف الأحزاب والحركات السياسية، وتولّى كثير منهم مواقع قيادية، كما التحق عدد كبير بالجيش العراقي والشرطة من ضباط وجنود، وكان للفيليين حضور واضح في أولى دورات تخرّج الضباط في العهد الملكي. وقد عُرف عنهم الحس الثوري وروح النضال في مواجهة الظلم والاستبداد.
وكان للفيليين دور بارز في دعم ثورة 14 تموز 1958 بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، إذ أيّدوها بقوة وشاركوا في نشاطات المنظمات المهنية والطلابية لضمان نجاحها. وبعد انتصار الثورة، أُقيمت احتفالات ومناسبات عدّة، شاركت فيها فرق فنية فيلية قدّمت عروضًا غنائية ورقصات شعبية بزيّها الفلكلوري. وقبيل سقوط حكومة عبد الكريم قاسم، قاوم الفيليون انقلاب البعثيين ثلاثة أيام دفاعًا عن الثورة والزعيم والوطن، إيمانًا منهم بأن ثورة 14 تموز جسّدت نموذج الدولة الوطنية الشعبية.
واستقبل الزعيم عبد الكريم قاسم وفدًا كبيرًا من وجهاء الفيليين من رجال دين وسياسيين وتجار وضباط ورؤساء عشائر، تقديرًا لنضالهم. وكان من بينهم الأديب والشاعر داري ساري، الذي أشار إلى الاستقبال الرسمي لهم في مجلس الوزراء. وقد تمتع الفيليون آنذاك بكامل حقوق المواطنة، وكرّمهم الزعيم بتغيير اسم شارع ملك غازي إلى شارع الكفاح، الذي كان يقطنه عدد كبير منهم، تقديرًا لإخلاصهم ونضالهم.
يتوزّع الفيليون في محافظات عدّة، أبرزها بغداد وديالى وواسط وميسان، إضافة إلى البصرة والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة وأربيل والسليمانية وغيرها. وفي بغداد سكنوا مناطق مثل شارع الكفاح، مدينة جميلة، مدينة الصدر، الحرية، البياع، العطيفية، حي الأكراد، باب الشيخ، الصدرية، سراج الدين وغيرها، وكانت لهم أزقة ومضايف معروفة بأسمائهم حتى يومنا هذا، وأقاموا الشعائر والمراسم الدينية منذ العهد العثماني.
كما لعب الفيليون دورًا محوريًا في إدارة عجلة الاقتصاد العراقي، لا سيما بعد هجرة اليهود في أربعينيات القرن الماضي، حيث سدّوا الفراغ الكبير في القطاعات التجارية والصناعية. وسيطر التجار الفيليون على أسواق رئيسية مثل الشورجة وشيخ عمر وساحة السباع والعلاوي وغيرها، وأسّسوا مصانع ومعامل أسهمت في تطور الصناعة الوطنية وتشغيل الأيدي العاملة، في إطار السعي نحو الاستقلال الاقتصادي.
وشارك الفيليون بفاعلية في الأحزاب والمنظمات العراقية والكردية، ومن أبرز الشخصيات الفيلية: عزيز الحاج، وفخري كريم، وفي الإطار الكردي كان لهم دور كبير في دعم الحركة التحررية الكردية. كما كان لهم حضور قيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ تأسيسه عام 1946، وفي الاتحاد الوطني الكردستاني بعد عام 1975، فضلًا عن الحزب الشيوعي الكردستاني.
وقدّم الفيليون تضحيات جسيمة، وكان لهم شهداء كثر، من بينهم الشهيدة ليلى قاسم، والملازم الشهيد جوامير سايمير، ومئات غيرهم.
وفي المقابل، تعرّضوا لواحدة من أبشع حملات الاضطهاد، تمثّلت في خطف أكثر من 22 ألف شاب، وتهجير نحو مليون شخص قسرًا، وسحب الجنسية، والتعذيب، وتفكيك العائلات.
ورغم مرور أكثر من عشرين عامًا على سقوط النظام السابق، ما زالت معاناة الفيليين مستمرة، في ظل غياب تمثيل نيابي حقيقي لهم. إن حلّ هذه المعضلات يتطلّب وحدة الصف الفيلي وتشكيل كتلة سياسية فاعلة، بعيدًا عن الاكتفاء بالكوتا، لضمان استعادة الحقوق المشروعة وحماية مستقبل الأجيال القادمة.
لقد آن الأوان ليتوحّد الفيليون، يدًا واحدة وصوتًا واحدًا، من أجل عراق عادل يحتضن جميع أبنائه دون تمييز.