محمد علي محيي الدين
وُلد الدكتور باقر محمد جعفر محمد إبراهيم الكرباسي في مدينة النجف الأشرف سنة 1953، في بيتٍ لم يكن للكتب فيه زينةً على الرفوف، بل كانت روحًا تسكن الجدران، وذاكرةً حيّة تتناقلها الأجيال. نشأ في أسرة علمية نجفية عُرفت بحضورها الأدبي والعلمي، فكان الكتاب أول رفيق له، والحرف أول نافذة أطلّ منها على العالم. في حجر هذا البيت، تعلّم أبجديات القراءة وأولويات الكتابة على يد والده، وتشكل وعيه المبكر على محبة اللغة، والإنصات إلى التراث بوصفه كائنًا حيًا لا نصًا ميتًا.
أكمل دراسته في مدارس النجف الرسمية حتى أنهى المرحلة الإعدادية، ثم التحق بجامعة الكوفة – كلية الآداب، حيث تخرّج فيها سنة 1999 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية. لم يكن هذا التخرج نهاية طريق، بل بدايته الفعلية، إذ واصل دراساته العليا في معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا التابع لجامعة الدول العربية، فنال شهادة الماجستير سنة 2002 في التراث الفكري، ثم الدكتوراه سنة 2005 في التراث العلمي العربي، ليؤكد منذ وقت مبكر انحيازه العميق إلى قراءة التراث قراءة علمية نقدية، بعيدة عن التقديس الأعمى أو القطيعة الجافة.

عمل الدكتور الكرباسي في السلك التدريسي بجامعة الكوفة، وتدرج في الرتب الأكاديمية حتى نال مرتبة الأستاذية، قبل أن يُحال على التقاعد، غير أن التقاعد لم يكن يومًا انسحابًا من الفعل الثقافي، بل تحررًا من قيوده الإدارية. ظلّ حاضرًا في المشهد العلمي والأدبي، مشاركًا في مؤتمرات علمية عديدة داخل العراق وخارجه، مسهمًا ببحوثٍ اتسمت بالرصانة والمنهجية والجرأة الفكرية، كما كان مواظبًا على حضور مهرجانات الأدب، لما له من مكانة معتبرة بين أدباء العراق وباحثيه.
انتمى إلى عدد من الاتحادات والمنظمات الثقافية والمهنية، فكان عضوًا في نقابة المعلمين، واتحاد الأدباء والكتاب العرب، واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، واتحاد المؤرخين العرب، الذي منحه سنة 2010 قلادة المؤرخ العربي، تقديرًا لجهوده البحثية والتوثيقية. كما شغل منصب رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في النجف الأشرف للمدة من 2016 إلى 2019، وكان عضوًا في مجلس إدارة مؤسسة الفكر الجديد للثقافة والإعلام والفنون. وشارك في ورش متعددة عن حقوق الإنسان واللاعنف ودراسة الأديان في بيروت وأربيل، فضلًا عن مشاركته في أكثر من ثلاثين مؤتمرًا علميًا داخل العراق وخارجه.
إلى جانب نشاطه الأكاديمي، نشر الدكتور الكرباسي عددًا كبيرًا من المقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وأسهم بمحاضرات وندوات ثقافية وأدبية في جامعة الكوفة واتحاد الأدباء في النجف، كما عمل مصححًا لغويًا لعدد من المجلات الثقافية والإصدارات الكتابية، في عملٍ قلّما يُلتفت إليه رغم أثره العميق في سلامة النصوص ورصانتها.
أصدر عددًا من المؤلفات التي تنوّعت موضوعاتها بين اللغة والنقد والتاريخ والتراث والفكر، من أبرزها: ثلاثون دراسة استشراقية في اللغة والنقد واللهجات (بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور حامد الظالمي)، ومعجم الشعراء في كتاب الكامل، وأبو العباس المبرد مؤرخًا، ومنهج كتابة التاريخ الإسلامي عند طه حسين، والبحث عن قارئ، وقطف الثمر في التأريخ والتراث والفكر. وهي كتب تكشف عن مشروع فكري واضح، يقوم على قراءة النصوص التراثية والتاريخية بعين معاصرة، دون تفريط بأصول المنهج العلمي.
أما بحوثه المنشورة في المجلات العلمية المحكمة، فقد تجاوزت الثلاثين بحثًا، تناولت موضوعات تمتد من الشعر والنقد، إلى التاريخ واللغة، إلى الفكر والحضارة والهوية، مرورًا بقضايا الشباب والتنوير والإعلام والمرأة والعمارة والسرد الروائي. وهي بحوث تعكس سعة اهتمامه، ووعيه بأن المعرفة شبكة متداخلة لا جزر معزولة.
وقد كتب عنه عدد من الباحثين والمفكرين، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الحسين شعبان، الذي رأى أن كتابات الكرباسي تمتاز بقدر كبير من الوضوح، وهو – برأيه – السمة الأبرز في نصوصه، رغم تنوّع موضوعاتها. إذ يجمعها خيط الفكر التنويري، ولا سيما حين يتوجه إلى جيل الشباب وقضاياه، حيث يزاوج بين البحث التاريخي والتراثي من جهة، والبحث السوسيولوجي والفكري من جهة أخرى، رابطًا ذلك أحيانًا بالأنثروبولوجيا، وحتى حين يتناول اقتصاديات المعرفة أو لغة الإعلام، فإنه يظل مشدودًا إلى سؤال الوعي ودور المثقف في صناعته.
إن سيرة الدكتور باقر الكرباسي، بما تحمله من تراكم علمي ونشاط ثقافي وإنتاج فكري، تمثل نموذجًا للمثقف النجفي الذي ظل وفيًّا لجذوره التراثية، دون أن يغلق نوافذه على أسئلة العصر، فكان شاهدًا على التحولات، ومشاركًا في صياغة الوعي، وحارسًا أمينًا للغة والتاريخ، في زمنٍ أحوج ما يكون فيه المجتمع إلى مثل هذه الأصوات الهادئة والعميقة.