سمير ميراني
حين تتحول العدالة إلى شعار والخطاب إلى أداة طاعة، تبدأ الأنظمة بكتابة نهايتها بصمت، في السياسة كما في النصوص الدينية، ثمة محكم يُفترض أن يكون واضحاً وعادلاً، ومتشابه يُترك للتأويل، غير أن الإشكال يبدأ حين تحتكر السلطة تفسير المتشابه، وتقصي النقد العقلاني، فتتحول من إطار تنظيمي إلى خطاب سلطوي مطلق، يطالب بالطاعة لا بالمساءلة، عندها لا يعود الدستور عقداً اجتماعياً، بل غلافاً قانونياً لسلطة ثيوقراطية تقدس ذاتها باسم الشرعية.
الحكم الشمولي لا يُفرغ السياسة من معناها فحسب، بل يعيد تشكيل المجتمع وفق منطق الخوف، فيفقد الإنسان قدرته على السؤال، ويستبدل الوعي بالموروث، والانتماء الأعمى بالمواطنة، ومع هيمنة الخطاب الواحد، تتآكل مصداقية النظام، وتنهار ثقة المجتمع به، لأن السلطة التي تخشى النقد لا تستطيع ادّعاء العدالة.
في التجربة العراقية، تتجسد هذه الإشكالية بوضوح، نظام يعلن التعددية، لكنه يدار بعقل مركزي جامد، يستند إلى خطاب طائفي ممنهج، يستعير من علم الكلام أدواته لا بوصفه مجالاً عقلانياً متطوراً، بل كوسيلة لتكريس السلطة ورفض الجدل الحداثي المرن، وهكذا فشلت محاولة المزج بين أصالة التاريخ وحداثة الحاضر، لأن الأسئلة بقيت قديمة، والرؤى أسيرة الموروث الشعبي.
وتبرز هذه الذهنية في ممارسات السلطة تجاه إقليم كوردستان، حيث يستخدم الاقتصاد أداة للضغط السياسي، وتحول الخلافات الدستورية إلى محاولات خنق في إنكار صريح لمفهوم الشراكة، وتكريس لمنطق المركز المتسلط على الهامش.
تبدأ الأنظمة بالانهيار حين تفقد ميزان العدل، وتستبدل الشراكة بالتعسف والسؤال بالقمع، فالنظام الذي يخشى النقد ويغلق أفق العقل يكتب نهايته بيده، إذ لا مسرّة تدوم لسلطة متعسفة، كما قال الإمام علي بن أبي طالب.