د. محمود عباس/ الولايات المتحدة الأمريكية
أليس من حق السوريين أن يتساءلوا، هل يُعقل أن يكون موسى العمر، أو ماهر الشرع وحده من استولى على معامل ماهر الأسد السابقة لتصنيع حبوب الكبتاغون؟ أم أننا أمام شبكة كارتيلات أوسع وأعلى نفوذًا منه، تتداخل فيها مصالح شخصيات من الحكومة السورية الانتقالية مع قيادات في التنظيمات التكفيرية؟ فكيف يمكن تفسير استمرار ضبط ملايين حبوب الكبتاغون في مناطق متعددة، من الحدود اللبنانية إلى الأردنية إلى الحدود العراقية، إن لم تكن هناك منظومة متكاملة تدير هذا الاقتصاد الأسود؟!
على الحدود الأردنية، جرى في البداية اتهام المكوّن الدرزي بإدارة معامل خلّفها النظام السابق، لكن الوقائع التي أعلنتها القوات الأردنية نفسها كشفت أن المقبوض عليهم ينتمون إلى بدو محافظة درعا، وهم ذات المجموعات التي هاجمت مناطق الدروز وعبثت بأمن المحافظة، في عمليات لم تكن بريئة، بل جاءت في كثير من الأحيان للتغطية على شبكات التهريب والسيطرة على طرقه. أما في العراق، فقد كُشف عن شبكة سورية–عراقية مرتبطة بمنظمات تسيطر على أطراف الشام، من بينها جماعات محسوبة على أنصار السنة، وأخرى تنتمي إلى التنظيمات التي تحتل عفرين.
وسط كل ذلك، يلفت الانتباه الصمت الإقليمي المريب. في السابق كانت القنوات العربية تصرخ، والدول تُجنّد وحدات خاصة لمحاربة الكبتاغون، أما اليوم فهناك غضّ طرف واضح، وكأن هذه التجارة باتت تُعامل بوصفها موردًا ماليًا غير معلن للتنظيمات التكفيرية التي تحارب المكوّنات السورية. ثم بدأت التسريبات الأخطر، لم تُدمَّر كل معامل الكبتاغون عند السيطرة على ممتلكات الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، بل جرى ترميم بعضها وإعادة تشغيله، وبدأ الإنتاج من جديد، وسط تجاهل متعمّد من الحكومة السورية الانتقالية، بل وإدارة مباشرة من أشخاص محسوبين عليها.
إن خروج ملايين الحبوب بشكل منتظم ومنهجي من مناطق الفرقة الرابعة والتي كانت من ممتلكات ماهر الأسد والان تسيطر عليها الحكومة السورية الانتقالية والتنظيمات التابعة لها، لا يمكن تفسيره بوجود (معمل بدائي) هنا أو هناك، بل يشير بوضوح إلى بنية صناعية متقدمة تشبه شركات الأدوية من حيث التقنية، والمساحات، والتنظيم. بالأمس فقط، أُعلن عن ضبط شحنة مليونين ونصف المليون حبة كبتاغون على الحدود العراقية قرب دير الزور، بين البادية السورية ومحافظة الأنبار، وقبلها قُدّر المضبوط على الحدود الأردنية بنحو مليوني حبة. وإذا كانت هذه هي الكميات التي أُحبط تهريبها، فكم هي الكميات التي نجحت في العبور وبلغت وجهتها؟
هذا الحجم من الإنتاج والتهريب يحتاج إلى جيش كامل من العمّال المتخصصين، والكيميائيين، والمهندسين، وشبكات النقل والحماية، ولا يمكن له أن يستمر يومًا واحدًا من دون غطاء عسكري وسياسي على مستوى السلطة الحاكمة. وعليه، فإن الحديث عن (تقصير) أو (عدم علم) لم يعد مقنعًا؛ ما يجري هو اقتصاد جريمة منظّم يعمل تحت أنظار الحكومة السورية الانتقالية، وبحماية سلطة مدعومة تركيًا، ويحوّل سوريا من دولة منهكة إلى منصة إقليمية لتصدير السمّ.