سالي علي
لحظة القرار… قبل أن يُغلق التاريخ بابه
أدرك مسبقًا أن هذا الكلام قد يضعني في مواجهة مباشرة مع كثيرين، وأتحمّل مسؤوليته كاملة دون تفويض، ودون أن أحمّل أي شخص، قريبًا كان أم بعيدًا، تبعاته. فبعض اللحظات لا تحتمل المجاملة، ولا تسمح بالصمت.
إلى الشعب الكوردي في روژ آڤا كوردستان:
نحن اليوم أمام لحظة نادرة في تاريخنا السياسي، لحظة قد لا تتكرر. للمرة الأولى منذ عقود، يخرج الكورد في أجزائهم الأربعة، كلٌّ من موقعه، دفاعًا عن قضية واحدة، وبصوت واحد، وبمشهد تجاوز الحدود المصطنعة التي فُرضت علينا قسرًا.
وخلال أيام قليلة فقط، بدأنا نلمس تحوّلًا واضحًا في الخطاب الدولي والغربي تجاه القضية الكوردية. قد نختلف حول دوافع هذا التحوّل، وقد نشكّك في نواياه، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه تحوّل إيجابي، وفرصة سياسية نادرة، وإضاعته ستكون خطيئة تاريخية لا تُغتفر.
في مثل هذه اللحظات، لا مكان للخطاب الرمادي، ولا للشعارات المستهلكة. إن الحديث عن “إخوة الشعوب” بصيغته الفضفاضة، أو التمسّك بمفاهيم “الديمقراطية” الملتبسة في روژ آڤا كوردستان، لم يعد خطابًا بريئًا أو محايدًا، بل تحوّل إلى عامل إضعاف مباشر للموقف الكوردي، وتشويش على قضيتنا في لحظة تتطلّب أعلى درجات الوضوح.
القضية الكوردية اليوم لا تحتاج تلطيفًا لغويًا، بل تسمية صريحة للأشياء بأسمائها.
من هنا، فإننا نطالب القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بالخروج العلني وحسم الموقف السياسي بوضوح لا لبس فيه، واتخاذ خطوات جريئة تعبّر عن الإرادة الشعبية الكوردية، وفي مقدمتها:
• اعتماد تسمية واضحة تعبّر عن الهوية الكوردية للقوات، تسمية تعكس الحقيقة لا الالتفاف عليها، مثل “قوات كوردية” أو أي مسمّى يعبّر بصدق عن الانتماء القومي.
• عدم رفع أي علم سوى علم كوردستان، باعتباره رمزًا جامعًا وهوية سياسية، لا شعارًا عابرًا.
• الامتناع عن رفع الصور، أيًّا كانت، فالقادة زائلون، أما القضية فباقية، ولا تُبنى الأوطان على الأيقونات، بل على وعي الشعوب وإرادتها.
إن الشعوب هي التي تصنع القرارات الكبرى، لا الصور، ولا الشعارات المؤقتة. والدول لا تُبنى بالعواطف، بل بمواقف واضحة تُقرأ في الخارج قبل الداخل.
وإن لم تُتخذ هذه الخطوات اليوم، في ذروة هذا الزخم الشعبي والسياسي، فإن التاريخ لن يكون رحيمًا في حكمه علينا، وسيُسجّل أننا تردّدنا حين كان الحسم واجبًا.
كما نوجّه رسالة صريحة إلى السياسيين الكورد:
كفّوا عن استخدام مصطلحات من قبيل “نحن كورد سوريون”. نحن لسنا كوردًا سوريين، ولا إيرانيين، ولا أتراكًا، ولا عراقيين. نحن شعب كوردستاني عريق، كنّا دولة ذات سيادة، وقُسّمنا قسرًا بين أربع دول وثلاثة أنظمة شوفينية. هذه حقيقة تاريخية لا يغيّرها توصيف إداري ولا حدود سياسية.
وعندما نخاطب العالم، يجب أن نخاطبه بهويتنا الحقيقية:
نحن كورد كوردستانيون، وسنبقى كذلك.
وأخيرًا، فإن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة جذرية للأدوار السياسية القائمة في روژ آڤا. على بعض الشخصيات أن تدرك أن زمنها السياسي قد انتهى بإرادة الشارع الكوردي، لا بقرار فردي ولا بإقصاء متعمّد، بل بحكم الواقع.
وأي خطاب لا ينسجم مع هذا المسار، لا يعبّر عن وجدان الشعب الكوردي، ولا عن تضحياته، ولا عن قضيته العادلة.
هذه ليست دعوة إلى الفوضى، بل دعوة إلى الوضوح.
وليست مغامرة سياسية، بل محاولة أخيرة لعدم تفويت اللحظة.
فالتاريخ لا ينتظر المترددين.