العراق بين عواصف المصالح الدولية : لماذا أصبح التحوّط الإستراتيجي ضرورة ؟

د.حمـــزة رحيـــم المفرجـــي
أستاذ جامعي متخصص في الإستراتيجية والأمن القومي
مُدرس الدعاية والحرب النفسية / كلية الإعلام / جامعة كركوك .

إنَ الشرق الأوسط لا يعرف الاستقرار طويل الأمد، ونظراً للطبيعة الجيوسياسية التي جعلت العراق واحداً من دولهِ، يقف العراق اليوم عند مفترق طرق معقد وحاسم، فبعد سنوات من الحروب، والإرهاب، والانقسامات الداخلية، لم تعد المخاطر التي تواجه البلاد عسكرية مباشرة فقط، بل أصبحت مركّبة ومتداخلة، ما يفرض على صانع القرار العراقي التفكير بمنطق التحوّط الاستراتيجي بدل الاكتفاء بردود الأفعال .
لاشكَ أن العراق نجح نسبيًا في خفض مستوى التهديد الأمني المباشر، لكن هذا النجاح يبقى هشًّا ما دامت جذور الخطر قائمة ومتعددة، فالتنظيمات المتطرفة، وإن ضعفت، لم تُهزم فكريًا بالكامل، والسلاح المنفلت ما زالَ يقوّض سلطة الدولة، ويبعث رسائل سلبية عن قدرة المؤسسات على فرض القانون، والإستفزازات الخارجية والقريبة مازالت موجهة لجرهِ الى المنطقة الرمادية .
سياسيًا، يواجه العراق تحديًا لا يقل خطورة عن التهديد الأمني، ويتمثل ذلك في الاستقطاب الداخلي والتأثيرات الخارجية، فالصراعات الإقليمية كثيرًا ما تنعكس على الداخل العراقي، سواء عبر الضغوط السياسية أو التوترات الأمنية، ما يحوّل البلاد إلى ساحة اختبار لتوازنات لا تخدم مصالحها الوطنية بالضرورة.، وتتمثل هذه التحديات بما تشهده دول جوار العراق من تغييرات ونزاعات داخلية ذات إمتداد خارجي .
أما اقتصاديًا، فإنَ الاعتماد شبه الكامل على النفط يشكّل خطرًا استراتيجيًا صامتًا، فالدولة التي يرتبط استقرارها بأسعار السوق العالمية، تظل مهددة في أي لحظة، ومع استمرار البطالة وضعف الخدمات، يصبح الغضب الشعبي عاملًا قابلًا للاستثمار من قبل قِوى الفوضى، لاسيما مع القرارات المالية الأخيرة التي تُثير حفيظة وهدوء ومخاوف شرائح واسعة من المجتمع العراقي، كإلغاء المخصصات المالية للخدمة الجامعية، والعقوبات الإقتصادية التي تلوح في الأُفق .
من هنا، يبرز التحوّط الاستراتيجي كخيار عقلاني وضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها، وهو إستراتيجية وقائية تقوم على الموازنة بين ما تملكه الدولة من مقومات ومقدرات، وما تطمح إليه في ظل إمكانياتها هذه، ويتم ذلك عدم الانحياز والعزلة، وتنويع الخيارات، كالموازنة في العلاقات الخارجية، وفي مصادر الدخل، وفي أدوات حماية الأمن الوطني، لتشكيل دولة قوية بمؤسساتها، واثقة من قرارها، وقادرة على تحقيق التوازن ومنع إختلال قدراتها، وتمكينها من الصمود وسط الإعصار الإقليمي .
والتحوّط الاستراتيجي في ظل هذه العواصف هو استثمار في السيادة، والاستقرار، ومستقبل استمرار الدولة وكيانها، وأي تأخير في تبنّي هذا النهج سيجعل كلفة المواجهة أعلى، والخيارات أضيق .
hamzaraheem@gmail.com

قد يعجبك ايضا