الهام عبدالقادر عبدالرحمن
في لحظات الانهيار الأخلاقي الكبرى تختلط الأصوات ويعلو صراخ الجناة وهم يتقمّصون دور الضحايا. عندها يصبح من الضروري إعادة ترتيب الحقائق، لا للجدل بل لحماية الذاكرة الإنسانية من التزوير. فالكورد، وهم أحد أقدم شعوب هذه المنطقة، لم يكونوا يومًا بحاجة إلى شهادة حسن سلوك من جماعاتٍ احترفت القتل، ولا إلى اعترافٍ أخلاقي من تنظيماتٍ قامت فلسفتها على الإبادة ونقض العهود.
تاريخ الكورد الطويل ليس سجلًّا للعنف بل أرشيفًا للصمود والإنسانية. هم أصحاب أرض وأصحاب قضية وأصحاب حقّ ثابت لا يسقط بالتهديد ولا بالتحريض ولا بالصراخ الإعلامي.
ورغم ما تعرّضوا له من جرائم ترقى، وفق القانون الدولي إلى الإبادة الجماعية بدءًا من حملات الأنفال حيث دُفن المدنيون أحياء، مرورًا بـ مجزرة حلبجة واستخدام الأسلحة الكيمياوية المحرّمة دوليًا، فإن ردّ الكورد لم يكن مجازر مضادّة ولا انتقامًا أعمى، بل تمسّكًا بمبدأ المحاسبة القانونية الفردية، لا العقاب الجماعي.
في المقابل، فإن سجلّ التنظيمات الإرهابية معروف ومُوثّق ولا يحتاج إلى تذكير.
جرائم سبايكر وسجن بادوش ومجازر شنكال، وسلسلة التفجيرات التي ضربت مدن العراق من شماله إلى جنوبه تشكّل نمطًا ثابتًا من الجرائم المنظّمة ضد المدنيين، شملت الشيعة في بغداد وديالى وصلاح الدين، والإيزيديين في سنجار، وسائر مكوّنات المجتمع العراقي. العراق بكل أطيافه دفع ثمن مشروعٍ لا يعرف سوى القتل وسيلة ولا يرى في الإنسان سوى هدف.
ثم انتقل هذا النموذج الإجرامي إلى سوريا، حيث تكشّفت المفارقة الأخلاقية الكبرى:
جماعاتٌ أوصلها العالم إلى السلطة فبادرت إلى تسليم الأرض المحتلة الجولان وجبل الشيخ مقابل تثبيت نفوذها ثم لجأت إلى تغطية ذلك بعمليات انتقامية في الساحل السوري.
طُلب تسليم السلاح مقابل وعودٍ بالأمان ثم نُقض العهد بعد التسليم، فكانت عمليات قتل وخطف وحرق حتى الطبيعة لم تسلم من النار.
الجرائم المرتكبة بحق العلويين وما جرى بحق الدروز من انتهاكات جسيمة للكرامة الإنسانية، تؤكد نمطًا واحدًا: أينما دخلت هذه الجماعات حملت معها القتل والسبي والنهب وجرّدت الدين من معناه وحوّلته إلى أداة تبرير قانوني زائف لجرائم لا تسقط بالتقادم.
واليوم..
تخرج هذه الأطراف لتتباكى أمام الرأي العام الدولي متّهمة قوات سوريا الديمقراطية بتجاوزات متناسية أن من يتحدّث هم ذاتهم من شكّلوا تشكيلات عسكرية عابرة للحدود قائمة على التطرف ومخالفة لأبسط قواعد القانون الإنساني الدولي.
إن من ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا يملك لا أخلاقيًا ولا قانونيًا حقّ ادّعاء المظلومية.
الكورد لا يحتاجون إلى تبرير أفعالهم، لأن معيارهم لم يكن يومًا الغريزة بل الأخلاق. ومن دافع عن أرضه في مواجهة الإبادة لا يُطالَب بشهادة حسن سلوك من قتلةٍ حوّلوا النساء إلى سبايا والقرآن إلى أداة تبرير، والحروب إلى ما سمّوه زورًا ( فتوحات)
التاريخ لا يُكتب بالضجيج، ولا تُمحى الجرائم بتبديل الخطاب.
التاريخ يُحفظ بما بقي بعد سقوط الأقنعة،
وبما سجّلته العدالة، لا بما روّجته المنابر.
ومن اختار الحياة طريقًا
لا ينتظر حكمًا أخلاقيًا
من صُنّاع الموت.