كوردستان في معادلة “المجتمع الدولي”

بكر خورشيد عمر

ارتبطت التحولات الكبرى في النظام الدولي خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين ارتباطاً وثيقاً بالقضية الكوردية، إذ كانت كوردستان في كل مرحلة تاريخية جزءاً من معادلات الصراع الدولي والإقليمي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أولاً: كوردستان والحربان العالميتان
رافقت الحرب العالمية الأولى (1914–1918م) اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916م، التي شكّلت الإطار السياسي لتقسيم المشرق، وأسفرت عملياً عن تقسيم كوردستان إلى أربعة أجزاء بين دولٍ ناشئة هي: تركيا، إيران، العراق، وسوريا، وهو تقسيم ما تزال آثاره السياسية والقومية قائمة حتى اليوم.

أما الحرب العالمية الثانية (1939–1945م)، فقد أفرزت بدورها تحولات مهمة في المسألة الكوردية. ففي شرق كوردستان (إيران)، أُعلنت جمهورية مهاباد عام 1946م، كأول تجربة سياسية كوردية حديثة ذات طابع دولتي، وإن كانت قصيرة العمر. وفي جنوب كوردستان (العراق)، شهد العام نفسه تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كأول حزب قومي كوردستاني يطالب بالحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية للشعب الكوردي ضمن إطار تنظيمي حديث.

ثانياً: كوردستان في زمن الحرب الباردة
خلال فترة الحرب الباردة (1950–1991م) بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، والتي اتخذت طابعاً أيديولوجياً واقتصادياً بالدرجة الأساس، تأثرت كوردستان بتوازنات الصراع بين القطبين. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز روسيا الاتحادية، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة.
وفي هذا السياق، شهد جنوب كوردستان محطة مفصلية تمثلت في انتفاضة عام 1991م، التي أعقبت حرب الخليج الثانية، وأسفرت لاحقاً عن تشكيل أول برلمان وحكومة لإقليم كوردستان عام 1992م، ما شكّل نقلة نوعية في التجربة السياسية الكوردية المعاصرة.

ثالثاً: التحولات الإقليمية وبداية “الحرب الهادئة”
اليوم، يقف الشعب الكوردي وقياداته السياسية أمام اختبار تاريخي جديد، في ظل ما يمكن تسميته بـ “الحرب العالمية الثالثة الهادئة”؛ وهي حرب لا تُخاض بالجيوش التقليدية بقدر ما تُدار عبر الصراعات بالوكالة، والتنافس الأيديولوجي، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
فما تشهده المنطقة لا يقتصر على صراعات عسكرية مباشرة، بل هو صراع فكري وأيديولوجي بدأ بالتنافس بين السعودية وقطر، ثم تطور تدريجياً ليصبح جزءاً من استراتيجية دولية أوسع، وجدت فيها الولايات المتحدة فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.

رابعاً: الأزمة الخليجية وتحوّل التحالفات
في عام 2014م، سحبت السعودية ودول خليجية أخرى سفراءها من الدوحة، متهمة قطر بدعم جماعة الإخوان المسلمين، ولا سيما في مصر، ما أدى إلى أزمة سياسية ودبلوماسية حادة داخل مجلس التعاون الخليجي. وفي ظل هذه الأزمة، اتجهت قطر نحو تعزيز تحالفها مع تركيا، التي بدورها قامت بتثبيت وجود عسكري لها في الخليج، في تحول لافت في معادلات الأمن الإقليمي.

خامساً: التطبيع واتفاق الدوحة وصعود الإسلام السياسي
في عام 2020م، شهدت المنطقة موجة تطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، شملت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، في إطار إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية برعاية أمريكية.
وفي عام 2021م، وُقِّعت اتفاقية الدوحة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان بوساطة قطرية، ما مهّد لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، ووصول حركة طالبان إلى السلطة. وقد أدى ذلك إلى صعود نموذج من الإسلام السني الراديكالي على حدود إيران، ذات النظام القائم على الإسلام الشيعي، مما زاد من حدة التوترات الإقليمية.

سادساً: سوريا وصراع المشاريع الإقليمية
في السياق السوري، تشكّل تحالف قطري–تركي لدعم قوى إسلامية مسلحة، كان من أبرزها جبهة النصرة (بايعت القاعدة)، التي أعادت تسمية نفسها لاحقاً بـ هيئة تحرير الشام، بقيادة أبو محمد الجولاني، الذي قدّم نفسه لاحقاً باسم أحمد الشرع.
وفي عام 2023م، أعادت السعودية والإمارات تطبيع علاقاتهما مع الحكومة السورية برئاسة بشار الأسد، في محاولة لمواجهة النفوذ القطري–التركي داخل سوريا. إلا أن التحولات اللاحقة، ونجاح تركيا وقطر في إقناع الولايات المتحدة وإسرائيل بضرورة إنهاء حكم حزب البعث وعائلة الأسد، أدت في عام 2024م إلى سقوط السلطة السابقة، وصعود هيئة تحرير الشام، وتقديم أحمد الشرع كرئيس مؤقت لسوريا.
وبالتوازي مع ذلك، وافقت السعودية والإمارات على هذا الواقع الجديد، ما ساهم في بلورة فكرة جمع التيارات الوهابية والإخوانية تحت مظلة واحدة، في إطار مشروع إقليمي أوسع يستهدف النفوذ الإيراني.

سابعاً: البعد الدولي: روسيا، الصين، وإيران
في مطلع عام 2026م، أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عبر عملية خاصة، كونه ضد تطلعات واشنطن و يدعم اهداف وروسيا والصين و ايران ، في خطوة عُدّت جزءاً من سياسة تصفية نفوذ خصوم واشنطن في مناطق مختلفة من العالم.
ويأتي ذلك ضمن سياق أوسع بدأ بالحرب الأوكرانية عام 2022م، التي تهدف إلى إضعاف روسيا، ويتواصل في الشرق الأوسط عبر استهداف إيران، حليفة موسكو وبكين، باستخدام قوى إقليمية و”وكلاء” محليين، بدلاً من التدخل العسكري الأمريكي المباشر.

ثامناً: كوردستان في قلب المعادلة الجديدة
وفق هذا التصور، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه بوصلة الصراع في العالم الإسلامي بعيداً عن غرب آسيا (إسرائيل)، ودفعه نحو شرق آسيا، ولا سيما إيران والصين، من خلال تشكيل جبهة إسلامية سنية واسعة. وبهذا الأسلوب، تعمل واشنطن على إضعاف خصومها الثلاثة (إيران، روسيا، الصين)، وتعزيز موقع إسرائيل، دون الانخراط في حروب مباشرة، معتمدةً على استراتيجية الحروب بالوكالة والنَّفَس الطويل.
وفي هذا الإطار، فإن ما يحدث في غرب كوردستان (شمال وشرق سوريا) لا يمكن فصله عن هذا المشروع الإقليمي–الدولي الأشمل. فالقوى الإقليمية الفاعلة في الساحة السورية، وفي مقدمتها تركيا وقطر والسعودية، إلى جانب الحكومة السورية المؤقتة، لا تتوافق فيما بينها على القبول بأي صيغة لا مركزية أو فيدرالية في شمال شرق سوريا، لما تحمله هذه الصيغة من انعكاسات محتملة على خرائط النفوذ والحدود السياسية في المنطقة.
إلى جانب ذلك، ترفض الولايات المتحدة النموذج الأيديولوجي الذي تتبناه حركة حزب العمال الكوردستاني، لارتباطه بالفكر الماركسي–الاشتراكي التي كانت مدعومة من ايران و روسيا في اوقات سابقة و اعطت واشنطن فرصة للكورد في غرب كوردستان بدعمها لقوات سوريا الديمقراطية لكن تدخل حزب العمال ادى الى افشال الفرصة بعد رفضها من قبل انقرة، وترى واشنطن فيه عائقاً أمام مشروعها لإعادة هندسة النظام السياسي في سوريا. وضمن هذا التصور، تتقاطع المصالح الأمريكية مع مصالح قوى إقليمية أخرى في السعي إلى تحجيم هذا المشروع أو القضاء عليه في غرب كوردستان، بوصفه نموذجاً سياسياً لا ينسجم مع الرؤية الأمريكية لمستقبل المنطقة.
وعليه، فإن غرب كوردستان يمثّل إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية الوقت الراهن، حيث تتقاطع فيه مشاريع دولية وإقليمية متناقضة، ويُعاد فيه رسم حدود المصالح، ضمن معادلة تتجاوز الإطار السوري لتشمل مجمل توازنات الشرق الأوسط و العالم.

قد يعجبك ايضا