الكورد في الصحافة العالمية

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في سياق اهتمام الصحافة العالمية بالقضية الكوردية، نشرت صحيفة Südtiroler Ruf، الصادرة في إيطاليا باللغة الألمانية، في عددها الصادر بتاريخ 1 نيسان / أبريل 1966، مقالةً موسّعةً حملت عنوان «الكفاح الطويل والشاق للكورد».
وقد سلّطت الصحيفة من خلالها الضوء على المسار التاريخي للنضال الكوردي من أجل نيل الحقوق القومية والحكم الذاتي، متناولةً واقع الكورد الممزق بين الدول، ومعاناتهم السياسية والعسكرية، في ظل غياب الدعم الدولي وتخلّي القوى الكبرى عن وعودها.

وترافقت المقالة مع صورة لزعيم الحركة الكوردية الملا مصطفى البارزاني، يظهر فيها محاطًا بمقاتلي البيشمركة الميامين، في مشهد رمزي يجسّد روح المقاومة، وصلابة الجبال، وإصرار الشعب الكوردي على الدفاع عن هويته ووجوده رغم اختلال موازين القوى.
تعكس هذه المادة الصحفية أهمية الحضور الكوردي في الإعلام الأوروبي خلال ستينيات القرن العشرين، كما تكشف عن نظرة خارجية واعية نسبيًا لطبيعة الصراع الكوردي، باعتباره قضية شعب حُرم من حقه الطبيعي في تقرير المصير، لا مجرد تمرّد عابر داخل حدود دول قائمة.

(ترجمة نص المقال)
رفض الحكم الذاتي – لا مساعدة من الخارج – 12 ألفًا ضد العراق

> «إن أكثر شعوب العالم تخلفًا لا يعرفون الحكم الذاتي. لكن لماذا لا يحصل عليه الکورد؟ ولماذا لا يكون لهم وطنهم الخاص؟»
بهذه الكلمات علّقت صحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية في عددها الصادر عام 1962.

يعيش الکورد على حدود ثلاث دول، وهم شعب يقع من حيث العِرق والجغرافيا والتاريخ في موقع فريد. وهم يشكّلون في الوقت الحاضر كيانًا سياسيًا غير مكتمل، لأنهم يعيشون موزعين بين العراق وتركيا وأجزاء أصغر من سوريا وإيران. تبلغ مساحة الأراضي التي يقطنها الکورد نحو 350 ألف كيلومتر مربع، ويقدَّر عددهم بنحو 12 مليون نسمة.

لقد انتصر المنتصرون في الحرب العالمية الأولى، وخاصة بريطانيا، في تقرير مصير هذه المنطقة. ومع ذلك، فإن حق تقرير المصير، كما ورد في اتفاقيات السلام وفقًا لمبادئ ويلسون، ومعاهدة سيفر لعام 1920، ومعاهدة لوزان لعام 1923، قد جرى عمليًا تجاهله إلى حدٍّ كبير فيما يخص الکورد. وحتى عام 1922 لم يتم الاعتراف لهم بأي كيان سياسي.

الکورد كـ«جماعة مضطهدة»

يصنَّف الکورد باعتبارهم «أقلية مضطهدة». فقد حُرموا من أي شكل من أشكال الحكم الذاتي أو حتى من ضمانة دولية. كما جرى قمع حركاتهم الوطنية بعنف شديد. ولم تتغير هذه السياسة حتى في ظل الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، الذي كان يُنظر إليه في البداية باعتباره متعاطفًا مع الحركة القومية الكوردية. ففي عام 1961 اندلعت معارك دامية في المناطق الكوردية، ونُقل نحو 400 ألف كوردي قسرًا من مناطقهم، ولم يُسمح لهم بالعودة إليها بالكامل.

الدولة الكوردية القصيرة العمر في إيران

في الأراضي الفارسية، وبعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت مناطق خاضعة للنفوذ السوفيتي بدعم موسكو جمهورية كوردية شعبية عام 1946، اتخذت من مدينة مهاباد عاصمة لها. وكان ستالين يهدف من وراء ذلك إلى تأمين منفذ إلى النفط والمياه في المنطقة. وكان مصطفى بارزاني قائد الجيش الكوردي في تلك الدولة.
لكن هذه الدولة لم تعمّر طويلًا؛ فبعد انسحاب السوفييت، سقطت الجمهورية، و انسحب البارزاني مع مقاتليه إلى الاتحاد السوفيتي، حيث تم إيواؤهم.
بارزاني… القائد المخضرم

يُعدّ قائد الكورد الملا مصطفى بارزاني (يظهر في الصورة إلى اليسار) من أكثر قادة حروب العصابات خبرة. وقد فرضت عليه حكومة العراق مكافأة كبيرة لمن يأتي برأسه، لكنه يغيّر مكانه يوميًا، وغالبًا ما يقطع مسافات طويلة عبر الجبال سيرًا على الأقدام.

تقسيم الكورد بين خمس دول

لم يكن الكورد يومًا مستعدين للتخلي عن طموحهم في إقامة دولتهم الخاصة. فمنذ قرون، لعبوا دورًا مهمًا في تاريخ الشرق الأوسط. وقد كانوا قوة سياسية وعسكرية فاعلة في الإمبراطوريات الإسلامية، ثم وجدوا أنفسهم بعد الحرب العالمية الأولى موزعين بين خمس دول: تركيا، إيران، العراق، سوريا، والاتحاد السوفيتي.
وقد اعترفت تركيا في عشرينيات القرن الماضي رسميًا بوجودهم، لكنها رفضت بشكل قاطع أي فكرة للحكم الذاتي. أما في العراق، فقد نشأ كيان كوردي صغير في الشمال، لكنه ظل موضع نزاع دائم.

12 ألف مقاتل ضد العراق

تبلغ قوة المقاتلين الكورد نحو 12 ألف مقاتل، وهم يقاتلون الجيش العراقي النظامي في ظروف غير متكافئة. فالعراق يستخدم الطيران والمدفعية الثقيلة، بينما يعتمد الكورد على أسلحة خفيفة ومعرفة دقيقة بالتضاريس الجبلية.

وقد بلغت الخسائر بين المدنيين مستويات عالية، إذ تم تدمير مئات القرى الكوردية بالقصف الجوي، وسقط آلاف القتلى من النساء والأطفال. وتتهم الحكومة العراقية الكورد بالتمرد، بينما يرى الكورد أنفسهم في حرب دفاعية من أجل البقاء.

آلاف القتلى المدنيين

تشير التقديرات إلى سقوط 25 ألف قتيل مدني خلال سنوات القتال. وقد أُجبر مئات الآلاف على النزوح، وتحوّلت مناطق واسعة إلى أطلال. وتستمر العمليات العسكرية دون أي بوادر لحل سياسي قريب.

لا دعم خارجي

رغم التعاطف الدولي الواسع مع القضية الكوردية، لم يحصل الكورد على أي دعم خارجي فعلي. فالقوى الكبرى تفضّل الحفاظ على استقرار الدول القائمة بدل دعم حق تقرير المصير للأقليات. وهكذا وجد الكورد أنفسهم وحدهم في مواجهة جيوش نظامية متفوقة.

خريطة المناطق الكردية

(الخريطة المرفقة تُظهر المناطق التي يقطنها الكورد في تركيا، إيران، العراق، سوريا، والاتحاد السوفيتي).

قد يعجبك ايضا