عدنان الريكاني
كانت وتيرة صوت التفاهم والحوار الحضاري مشتعلا خلال سنوات مضت و جل العالم من أقصاه لاقاصه كان حالماً بأن تغزو هذه الفكرة ثنايا روح المجتمع الدولي، والابتعاد عن ضراوة ومآسي الحروب المدمرة التي لا يسمن ولا يغني من جوع، لكن الأحلام اصطدمت بحجارة صماء ومصالح ضيقة على حساب أرواح الانسانية وغاردت غيوم التفاهم والحوار العقلاني الرشيد من سماء تواجدها الفعلي، لتكون مجرد حبر على ورق ولم يجف ايضاً بل بقيت مبللة في مهب الريح، ظلت هذه الشعارات الرّنانة الطنانة تلمع على موائد الأيتام بزف كاذب، وباتت لغة الحرّب والتهديد والوعيد والقتل والتشرد هي السائدة في صحن الوليمة، التي طالما انتظرها بفارغ الصبر ماسكاَ جرحه وألمه الحاد لعله يشم رائحتها الزكية، و يؤمن بعقلانية التعامل مع الآخرين وتقبل الرأي والرأي حتى لو كان مجاملة، فما بالك أذا بطمس الهوية الشخصية والغاء وجوده التام، واتهام بأنه ضيف غير مشرف به على أرضه وماء هواء سخر الله سبحانه وتعالى له أن يعيش عليه بكرامة.
فقبل كل شيء ينبغي ان يشمل الحوار كل مجالات وجوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية، وان يتم احترام الثوابت والخصوصيات الثقافية بعيدا عن التسلط والغاء الاخر، وان يتبنى كل الأطراف الالتزام بالتعددية في الثوابت الطرف الآخر، مثلما ان التنوع الثقافي كان سببا في ازدهار الحضارة الانسانية وتفاعلها مثلما هو الحال مع الحضارة العربية الاسلامية والحضارة الاوربية. فهذا النوع من التفاعل الحضاري الذي اتخذ موقفا وسطا بين مواقف المتطرفين، هي الانغلاق أو الذوبان والتبعية المتسلطة الفرض بالقوة دون النظر للآخر، بحجة أنها شرائع وقوانين إلاهية غير قابلة للنقاش، ويعتبر كل من أقترب منها كافراً خارجاً عن دائرته المركزية وكأنه دخل مثلث برمودا، ويعبرعن أهمية التنوع والاختلاف الثقافي بين الامم ويؤكد أن التنوع الثقافي لم ولن يكون سببا للنزاع والتصادم بين الدول، اذ لا حياة لثقافات متطابقة، فالتمايز الثقافي اساس التفاعل والتعايش بين الامم والشعوب، وشرط للتفاعل الثقافي، فالتفاعل لا يلغي التمايز. ولا يمكن للمرء ان ينكر وجود قواسم مشتركة بين الحضارات، فالاختلاف الثقافي هو الذي يعمق الرؤى الحضارية الذاتية ويؤسس لقيم الحوار مع الاخر والتفاعل معه.
أن قيام حوار حقيقي بين الحضارات يشترط مقدما أن يكون الجميع على اقتناع تام بمبدأ التكافؤ الحضاري، فكل حضارة لديها بالفعل ما تعطيه للحضارات الاخرى، فالاعتراف بالتعددية الحضارية يتطلب الوعي بان الحضارة نتاج انساني مشترك، اذ ان احادية الحضارة معناها الغاء الحضارات الاخرى.
ولا شك ان فكرة” نهاية التاريخ “و”صِدَام الحضارات” التي روج لها منظرّون غربيون بارزون اذكت النقاشات حول قضايا الصراع والحوار بين حضارات متباينة، ودور العلاقة بين الابعاد الثقافية الحضارية، والابعاد الاستراتيجية، واثارت تساؤلات جوهريا مفادها ، هل يمكن لحوار الحضارات، في ظل هذه المرحلة الملغومة بتشابكات وأزمات متداخلة، وصراعات القوى الأقليمية والدولية في بقعة جغرافية محدودة، أن تنجح في ادارة هذه المرحلة، أم أن الصراع الحضاري سيفرض نفسه بقوة في العلاقات بين الأمم والشعوب.
وهل بقي الوقت للشروع في تنظيم القوة العقلانية المدبرة لأدارة سُدة الحكم والعلاقات بين الشعوب بصورة يكافئ عليها من قبل المنظومة الأنسانية بعيدةً عن النفاق والكذب والتلاعب بدماء البرياء من غير وجه حق.؟
تحظر قواعد الحرب الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية . لذا، يجب على الأطراف أن توضح مشاركتها في القتال، مثلاً بارتداء الزي العسكري، لإثبات أنها ليست مدنية. كما يجب عليها اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين في جميع الأوقات.
تعتبر استراتيجية الحرب الخاطفة هي من أهم الأدوات والاساليب التي يمكن بها التخلص من الخصوم سريعا، وفي وقت وجيز، وتعتمد على دراية القائد بشكل كافئ للميدان، ومعرفة أهم نقاط ضعف الطرف الثاني، كما تعتمد بشكل خاص على تحقيق التفوق والتطور التقني في الآلة العسكرية، ووفرة الكميات النوعية منها ، وتحديد ساعة الصفر الاستراتيجية
تحقيق النصر والفوز في ميادين القتال وساحات النزال يأتي في كل الاحوال من انطلاق القائد أو القادة وفق استراتيجيات وأسس حربية محكمة، وسليمة وواضحة، وقابلة للتنفيذ والتطبيق، وفي أقسى الحالات، فإن القائد الذي لا يلتزم أو يطبق تماما أسس وقواعد الحرب والقتال لأي أسباب، ظاهرة أو مستترة، كأن يكون قرار الحرب أو ادارتها ليس في إرادته ومسؤوليته، أو حدوث تنازع في صناعة القرار، فمثله محكوم عليه بالهزائم الشنعاء.
ولأن ادارة الحرب بحنكة واقتدار تتطلب كفة قوى راجحة، إذا لم تعادل كفة الطرف الثاني، فإن عقد التحالفات مع الفاعلين الذين تربطهم مصالح مشتركة مع الدولة يعتبر ضرورة لازمة، ومن الأهمية بمكان إذا وجبت الحرب، وباستقراء تاريخ الحروب يتأكد هذا المعنى وأهميته.
عقد التحالف في حد ذاته يربك حسابات الطرف الآخر ، ويجعله يعيد النظر في الأوراق من جديد، إذ أنه بهذه المعطيات المستجدة الحديثة، لا يحارب طرفا رئيسا واحدا بل طرفين وربما أكثر، وبهذا الشكل الجديد تعتبر مواصلة الحرب ضد الطرف الأول بمثابة المحرقة أو الهاوية التي يندفع إليها الجميع من غير رحمة! وهذا تصور سليم مائة بالمائة في تقديري في معظم الحالات، إلا أنه في حالات أخرى، وهي حالة الحروب المصيرية العادلة فإن المحرقة تصبح هي جنة النعيم.
معادلة القوى في الإقليم واعادة توازنها هو أمر في غاية الأهمية والخطورة، لأن رجحان توازن القوى لصالح احد الطرفين من شأنه ليس احراز النصر والفوز في ميادين الحرب وحسب، بل بسط السيطرة والهيمنة والنفوذ في النظام.
ان أى اختلال فى التوازنات فيما بين الأطراف وبعضها بعضا، قد يحدث نوعا من الإمبريالية أو الهيمنة من قبل الجانب الأقوى، وبما يهدد الاستقرار المرجو للنظام الدولى وعناصره، ولعل التاريخ نفسه يعد شاهدا على خطورة الأوضاع الدولية وحجم الصراعات، فى ظل الهيمنة أو حتى السيطرة أحادية القطبية، ولا أدل على ذلك من مرحلة انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتى.[1]
في كتابه (فن الحرب) يجادل الاستراتيجي والفيلسوف الصيني “صان تسو “: إن اتخاذ المبادرة هو فكرة الهجوم حيث لا يتوقع العدو. والظهور حيث لا يتوقعونك. هذا يُبرز عنصر المفاجأة، الذي يمكن أن يزعزع استقرار العدو ويجعله أكثر عرضة للهجمات التالية.
إضافة، ذكر “تسو” في كتابه التاريخي: أن الإتقان الحقيقي في الحروب لا يكمن بالضرورة في الفوز في كل معركة، ولكن في الفوز دون قتال. من خلال استراتيجيات متفوقة، يمكن للمرء أن يتفوق على العدو، مما يجبرهم على الاستسلام دون مواجهة مباشرة. هذه هي قمة الاستراتيجية الهجومية هزيمة العدو من خلال الاستراتيجية والذكاء بدلاً من القوة الخام