مانيسا النقشبندي
في كل مرة يعود فيها دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي يتجدد الجدل حول طبيعة رؤيته للحكم. .هل هو رئيس جمهوري تقليدي أم زعيم شعبوي يحمل في داخله إعجاباً بنموذج الحكم شبه الملكي الموروث ولو بصيغة حديثة ومقنّعة؟.
منذ دخوله البيت الأبيض أظهر ترامب موقفاً متوتراً من المؤسسات الأمريكية التقليدية الكونغرس، القضاء، الإعلام، وحتى الأجهزة البيروقراطية، لم تكن في نظره ركائز للحكم، بل عوائق أمام “إرادة الزعيم”. هذه النظرة تقترب كثيراً من منطق الأنظمة الملكية أو السلطوية، حيث تختزل الدولة في شخص الحاكم وتختصر الشرعية في شعبيته المباشرة.
إن أحد أبرز ملامح هذه الذهنية تتمثل في الدور الذي لعبته عائلة ترامب خلال رئاسته. إيفانكا ترامب وصهره جاريد كوشنر شغلا مواقع سياسية ودبلوماسية حساسة رغم غياب الخبرة السياسية التقليدية هذا السلوك أعاد إلى الأذهان نماذج الحكم الوراثي حيث تقدم رابطة الدم والثقة العائلية على الكفاءة والمؤسسات.
ترامب لم يعلن يوماً رغبته في توريث الحكم رسمياً لكنه فتح الباب أمام ما يمكن تسميته بـ”الوراثة السياسية الناعمة” اسم “ترامب” تحول إلى علامة سياسية قائمة بذاتها وأبناؤه باتوا جزءاً من المشهد العام مع قبول واضح من القاعدة الشعبية لفكرة استمرار النفوذ داخل العائلة هنا لا تكون الوراثة دستورية بل شعبوية قائمة على الولاء والرمزية والدليل تقديم ابنه الأكبر أمس نفسه كقائد مستقبلي
لا يمكن فصل رؤية ترامب للحكم عن إعجابه المعلن بعدد من القادة ذوي النزعة السلطوية حول العالم فعلاقته الودية مع شخصيات مثل فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون ورجب طيب أردوغان وحتى بعض قادة الأنظمة الملكية لم تكن وليدة الصدفة القاسم المشترك بينهم هو الحكم القائم على المركزية الشديدة وتراجع دور المؤسسات لصالح القرار الفردي.
في المحصلة لا يسعى ترامب إلى إلغاء الجمهورية الأمريكية أو استبدالها بتاج وعرش لكنه يبدو ميالاً إلى نموذج حكم يجعل من الرئاسة سلطة شبه مطلقة، تدار بالولاء الشخصي لا بالقانون وبالشعبوية لا بالتوازن المؤسسي.
إنه نموذج يمكن وصفه بـ”الملكية المقنعة”، حيث تبقى الأشكال الديمقراطية قائمة بينما تتآكل مضامينها من الداخل.
أيها السادة ترامب ليس ملكياً بالمعنى التقليدي لكنه يحمل إعجاباً واضحاً بنمط الحكم الشخصاني الوراثي ويرى في الديمقراطية قيمة مشروطة بمدى خدمتها للزعيم وبينما يقدم نفسه حامياً للجمهورية تثير ممارساته تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام السياسي الأمريكي، وحدود تحوله من دولة مؤسسات إلى دولة أشخاص……