عواد علي
ليس حلم الدولة الكردية خلاصة قرون طويلة من الإقصاء والخذلان، وحصيلة تاريخ ثقيل كُتب أغلبه بالدم والحرمان. إن الحديث عن الدولة الكردية هو حديث عن شعبٍ قُسّمت جغرافيته قبل أن تتشكل دول العصر الحديث، وتبعثرت هويته بين أربع دول كبرى، من دون أن يُسأل أو يُستفتى أو يُعترف بحقه في تقرير مصيره.
يُعدّ الكُرد من أكبر الشعوب في العالم التي لا تمتلك دولةً قوميةً مستقلةً. ينتشرون على رقعة جغرافية متصلة تاريخيًا تُعرف بـ”كردستان”، تمتد بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، مع وجود جاليات كبيرة في أرمينيا وأوروبا. وبالرغم من هذا الامتداد السكاني والثقافي، ظل الكُرد خارج معادلة الدول الوطنية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى.
لقد شكّلت اتفاقية سايكس– بيكو، ثم معاهدة لوزان (1923)، الضربة القاضية لحلم الدولة الكردية في بدايات القرن العشرين، حين أُسقط أي اعتراف سياسي بالكُرد، وتم توزيعهم كـ”أقليات” داخل دول قومية أُسست على إنكار التعدد.
الدولة الكردية كفكرة وجودية لا شعار سياسي
بالنسبة للكُرد، لا تمثل الدولة مجرد كيان سياسي أو علم ونشيد وحدود، بل هي ضمانة وجود. فغياب الدولة جعلهم عرضة لسياسات الصهر القومي، والتهجير، والأنفال، والتعريب، والتتريك، والتفريس، ومنع اللغة، وتغيير الأسماء، وحتى إنكار الوجود نفسه.
من هنا، يصبح حلم الدولة الكردية ردًّا على سؤال وجودي: كيف يمكن لشعب أن يحمي لغته وثقافته وكرامته من دون مظلة سياسية تعترف به؟
الكرد والدولة الحديثة: علاقة متعثرة
لم يكن الكُرد خارج الحداثة السياسية بإرادتهم، بل أُقصوا عنها قسرًا، ففي تركيا، مُنعوا لعقود من الاعتراف بوجودهم القومي. وفي سوريا، حُرم عشرات الآلاف منهم من الجنسية. وفي إيران، وُوجهت مطالبهم بالقمع العسكري. أما في العراق، فبالرغم من الوصول إلى صيغة فيدرالية بعد 2003، بقي الحلم الكردي محصورًا بسقف إقليمي لا سيادي. وهنا تتجلى المفارقة: الدول التي تطالب الكُرد بالاندماج لم تُقدّم لهم دولةً عادلةً يتساوون فيها مع غيرهم.
لماذا تخاف المنطقة من الدولة الكردية؟
تُقابل فكرة الدولة الكردية برفض إقليمي شبه جماعي، ليس لأنها غير شرعية، بل لأنها تكشف هشاشة الدول القائمة، فقيام دولة كردية ديمقراطية قد يفتح أسئلة محرجة حول شرعية أنظمة بُنيت على القسر والإنكار. كما أن الأنظمة الإقليمية تخشى “عدوى الاعتراف”، أي انتقال مطالب الحقوق من الكُرد إلى أقليات أخرى، وهو ما يهدد بنية الدولة المركزية الصلبة.
بين الواقعية السياسية والحلم المشروع
لا يمكن إنكار أن حلم الدولة الكردية يواجه تحديات كبرى: تعقيد الجغرافيا السياسية، تضارب المصالح الدولية، الانقسامات الكردية الداخلية، واستخدام القضية الكردية كورقة ضغط دولية. لكن في المقابل، لا يمكن شطب الحلم أو اعتباره وهمًا. فكل الدول بدأت حلمًا، وكل الخرائط الحالية كُتبت يومًا فوق أحلام شعوب أخرى.
. طالب االكُرد، في كثير من تجاربهم السياسية المعاصرة، أولًا بالاعتراف، ثم بالحكم الذاتي، ثم بالفيدرالية، ولم يرفعوا شعار الاستقلال إلا حين سُدّت كل الأبواب.
الدولة الكردية، في جوهرها، ليست ضد أحد، بل مع الكرامة والعدالة والتعدد. وهي يمكن أن تكون عامل استقرار لا فوضى، إذا قامت على أسس ديمقراطية لا قومية متطرفة.
الحلم الذي لم يمت
قد يتأخر حلم الدولة الكردية، وقد يُجهض مرحليًا، لكنه لن يموت، لأنه متجذر في الوعي الجمعي لشعبٍ تعلّم كيف يحوّل الهزيمة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى مقاومة، والمقاومة إلى معنى.
إن الدولة الكردية ليست سؤال “متى؟” فقط، بل سؤال “كيف؟”. كيف تُبنى دولة لا تُعيد إنتاج الظلم باسم القومية، وكيف يتحول حلم شعبٍ مجروح إلى مشروع إنساني جامع؟
إلى أن يأتي الجواب، سيبقى الكُرد شعبًا يحلم، ومن يحلم طويلًا لا يُهزم بسهولة.