مهدي كلي
عندما اندلعت الحرب ضد داعش، وعندما تحولت أرض الكورد إلى خط النار الأول في مواجهة أبشع تنظيم إرهابي عرفه العصر الحديث، نظرنا حولنا بحثاً عن الأصدقاء. كنا نعتقد، بحسن نيةٍ قاتل، أن الدم المشترك في مواجهة الإرهاب سيصنع تحالفات صادقة، وأن من يرفع شعار الإنسانية لن يتخلى عن شعبٍ يقاتل نيابةً عن العالم. نحن كشعب الكوردي قلنا لأنفسنا بثقة: لا أحد يستطيع أن يقاتل الشعب الكوردي، فالعالم معنا.
لكننا كنا مخطئين.
لم يكن خطأنا في شجاعتنا، ولا في عدالة قضيتنا، بل في ثقتنا الزائدة بمن لا يعرفون معنى الوفاء. اكتشفنا، وسط رائحة البارود وصراخ الشهداء، أن الصداقة في السياسة كذبة كبرى، وأن المصالح أقوى من المبادئ، وأن الشعوب الصغيرة تترك وحدها عندما تنتهي وظيفتها.
الكوردي… خط الدفاع الأول ثم الضحية المنسية
حين انهارت جيوش، وتفككت دول، وعمّ الرعب مدناً بأكملها، وقف المقاتل الكوردي ثابتاً. لم يسأل عن مقابل، ولم يفاوض على دم أبنائه. حمل سلاحه دفاعاً عن أرضه، لكنه في الحقيقة كان يدافع عن العالم كله.
أوقف تمدد داعش، كسر أسطورة “الخلافة”، وقدم آلاف الشهداء… ثم ماذا؟
بعد أن خفت صوت المعارك، وبعد أن انتهت الحاجة إلى البندقية الكوردية، بدأ الصمت. صمتٌ ثقيل، بارد، يشبه الخيانة. تُرك الجرح الكوردي ينزف وحده، بينما كان من يفترض أنهم “أصدقاء” يعقدون الصفقات مع أعدائه.
أصدقاء الحرب… تجار السلام
في زمن الحرب، كثر الأصدقاء. تصريحات، صور، زيارات، ووعود بالدعم.
وفي زمن السلام؟
تحول أولئك الأصدقاء إلى مراقبين محايدين، أو أسوأ: إلى شركاء في الحصار، والتجويع، والتآمر السياسي.
بعضهم سلّم الكوردي لعدوه تحت مسمى “التوازن الإقليمي”، وبعضهم غضّ الطرف عن القصف والتهجير، وبعضهم ساوى بين الضحية والجلاد. هكذا ببساطة، سقطت الأقنعة، وظهر الوجه الحقيقي للسياسة الدولية: لا أخلاق، لا مبادئ، فقط مصالح.
داعش لم يكن العدو الوحيد
قاتل الكورد داعش بالسلاح، لكنهم واجهوا نوعاً آخر من الإرهاب:
إرهاب الصمت، إرهاب التخلي، إرهاب الطعن من الخلف.
من حاصر، من خوّن، من شوّه القضية الكوردية، ومن حاول كسر إرادة هذا الشعب باسم الدين أو القومية أو “وحدة الدول”… كلهم شاركوا في الجريمة.
الفرق الوحيد أن داعش كان عدواً واضحاّ، أما الآخرون فكانوا يبتسمون.
الجبال… الصديق الذي لا يخون
عندما انهارت الوعود، وعندما أُغلقت الحدود، وعندما تُرك الكوردي وحيداً ، لم يبقَ شيء ثابت سوى الجبال .
الجبال التي احتضنت الثوار الكورد، حمت العائلات، وسمعت القسم الكوردي عبر التاريخ:
نحن هنا، وسنبقى.
الجبال لم توقع اتفاقيات، لم تخن، لم تساوم. كانت دائماً الملجأ الأخير، والوفاء الأول .
ومن يفهم تاريخ الكورد، يدرك أن هذه الجملة ليست شعراً ولا مبالغة، بل حقيقة دُفعت ثمنها دماءً عبر قرون:
لا صديق للكوردي سوى الجبال.
درس الدم… ووعي المستقبل
اليوم، وبعد كل ما حدث، لم يعد للكوردي رفاهية الوهم.
تعلمنا أن الاعتماد على الذات ليس خياراً ، بل ضرورة وجودية.
تعلمنا أن القوة وحدها تفرض الاحترام، وأن من لا يحمي نفسه، لن يحميه أحد .
هذا لا يعني العزلة، ولا رفض العالم، بل يعني التعامل معه بوعي، بذاكرة لا تنسى، وبقلب لا يُخدع مرتين.
خلاصة:
شعب لا يُكسر رغم الخذلان، رغم المؤامرات، ورغم الدم، ما زال الشعب الكوردي واقفاً .
متعب؟ نعم .
مجروح؟ بالتأكيد .
لكن منكسر؟ أبداً .
فالشعوب التي تصادق الجبال، لا تموت.
والقضية التي كُتبت بدم الشهداء، لا تُمحى بتصريح سياسي.
قد يخذلنا العالم مرةً أخرى، لكن التاريخ علّمنا درساً لن ننساه:
عندما تسقط كل الأيدي، تبقى الجبال… وتبقى كوردستان .