باسل الخطيب
نشأت في عائلة مناضلة قاتلت مع البيشمركة في الجبال ضد نظام البعث. وتعلمت منذ نعومة أظفارها على أن تحلم بلا حدود، وتكافح لتحول أحلامها إلى واقع، فكان لها ما أرادت لتصبح محاضرة في جامعة هارفارد الأميركية المرموقة.
إنها شن شيروان حسين التي ولدت في مدينة السليمانية عام 1989، لعائلة أولت اهتماماً خاصاً بالعلم والمعرفة ومقارعة الظلم والطغيان. وكانت والدتها، الكاتبة الراحلة روخوش علي، تشجعها على التحصيل العلمي والتفوّق الدراسي، وتدعم طموحاتها منذ الصغر.
وعلى غرار أقرانها، حلمت الطفلة شن بدراسة الطب لتصبح دكتورة، لكن القدر قادها لحياة أخرى، كانت “ممتنة لها كثيراً” بحسب قولها.
•بالعلم والنضال تتحقق الأحلام
تشبعت الطفلة شن بشغف حب العلم والمعرفة والعمل الجاد، كيف لا وهي التي طالما عاشت في كنف عائلة ناضلت ضد الظلم والطغيان، من دون أن ينسيهم ذلك العمل الجاد وحب الحياة. وكانت تساعد والدتها في تأسيس مكتبة منزلية، وتراقب التزامها بالكتابة، لا سيما أنها ألفت سبعة كتب ُنشر آخرها بعد رحيلها عام 2019.
يذكر أن الكتب التي ألفتها السيدة روخوش علي، هي تجارب نساء الجبل، نُشرت عام 2006، الصرخة والذاكرة، نُشرت عام 2009، بين السمّ والأمل – لأجل ذكرى حلبجة، نُشرت عام 2012، صباحٌ جبليّ، نُشرت عام 2014، تاريخ نضال المرأة الكردية، نُشر عام 2016، ذكرى عمر من التجربة، نُشرت عام 2018 وطريق صعب المنال.
نشأت شن وهي تتعلم من الدتها أن “الاستسلام ليس خياراً”، وأن “هنالك دائماً طريقاً طالما أن هناك إرادة للمضي قدماً”، على حد تعبيرها.
وشاء القدر أن تقبل شن في قسم الهندسة المدنية والإنشاءات بكلية الهندسة جامعة السليمانية، وفي عامها الدراسي الثالث شاركت في برنامج تبادل طلابي يُدعى “برنامج تبادل القادة الشباب العراقيين”، الذي تقول إنه فتح عينها على “إمكانيات مختلفة وأتاح لي فرصاً متعددة”.
•الرحلة الأمريكية
بعد عودتها إلى السليمانية وتخرجها من كلية الهندسة، حصلت شن على منحة دراسية كاملة للالتحاق بجامعة “ساوثرن إنديانا” الأمريكية، حيث نالت شهادة البكالوريوس في الاقتصاد، ثم الماجستير في إدارة الأعمال.
ومن خلال الدراسة في الولايات المتحدة، تقول شن إنها “تعلمت التفكير بأسلوب مختلف وأحلّ المشاكل بأسلوب نقدي”، وتضيف أن الدراسة بالخارج “فتحت لي آفاقاً جديدة”.
وعند عودتها إلى السليمانية، عام 2015، كانت شركات البناء قد توقفت عن العمل، فاتجهت للعمل مع المنظمات غير الربحية المعنية بدعم النساء والفتيات المتأثرات بالحرب. ثم سافرت عام 2022 إلى أوكرانيا وعملت هناك لمدة عام في مجال مماثل.
وتؤكد شن على أن لديها “شغفاً خاصاً بجامعة هارفارد فتقدمت بطلب للالتحاق ببرنامج الماجستير في الإدارة العامة وتم قبولي بسعادة حيث وصلت الولايات المتحدة في تموز/ يوليو 2023″، وتبين أنها تلقت خلال الدراسة “دعماً مالياً سخياً من مبادرة القادة الإماراتيين”.
وتتابع أنها بعد التخرج “أدركت أنني أريد متابعة دراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة فحصلت بالفعل على وظيفة باحث مساعد لدى أستاذة متخصصة في التفاوض وأبحاث القيادة في جامعة هارفارد هي الدكتورة هنار رايلي بولز كانت داعمة جداً لمسيرتي التعليمية”، وتلفت إلى أنها كانت “تساعد تلك الأستاذة المرموقة في إجراء الأبحاث وتحليل البيانات وتقديم ورش عمل في فن التفاوض”.
• مهمة لإنصاف اللغة الكوردية
وتواصل الشابة الكوردية الطموحة، أنها “علمت أن جامعة هارفارد كانت تبحث عن مُحاضر لتعليم اللغة الكوردية فتقدمت بسيرتي الذاتية مدعومة بخبرة في التدريس وتجارب سابقة في تعليم اللغة الكوردية للأجانب”، وتنوه إلى أن الجامعة “وافقت على تعيني في ذلك المنصب”.
وتُعد جامعة هارفارد، التي تأسست عام 1636، أقدم مؤسسة للتعليم العالي في الولايات المتحدة، وتحتل المرتبة الرابعة عالمياً وفق تصنيف QS لعام 2025.
وتمضي شن قائلة “أتعامل مع هذه الوظيفة التعليمية كمهمة لإنصاف اللغة الكوردية والتعريف بغناها الثقافي والتاريخي والفني”، وتوضح أن “هدفي هو تمكين الطبة من إجراء حوار عميق مع الناطقين بالكوردية”.
وتعرب شن شيروان حسين عن امتنانها العميق لكونها “نشأت في عائلة مناضلة وداعمة آمنت بي وشجعتني على تحقيق أحلامي”، وترى أنها كانت “محظوظة ولم أتصور يوماً أن أُدرّس في جامعة هارفارد ناهيك عن تدريس لغتنا الكوردية الحبيبة لا سيما أنني أدرك تماماً مدى عظمة هذه الفرصة وأمنحها كامل اهتمامي”.
وتخلص الشابة الكوردية المكافحة، إلى أنها تؤمن أن “ما خططه الباري سبحانه وتعالى لنا أعظم مما نتخيل”، وأن أكبر طموح لها في المستقبل هو أن “أكون مواطنة نافعة وشخصاً يُلهم الآخرين لفعل الخير من خلال أفعاله”.
إن سيرة الدكتورة الكوردية شن شيروان حسين، تقدم نموذجاً ملهماً ومفعماً بالتفاؤل، يؤكد على أن الإرادة والصبر والعمل الجاد هي السبيل لتحقيق الأحلام والطموحات. كما أن تدريس اللغة الكوردية في جامعة عالمية مرموقة كهارفرد يشكل إضافة نوعية لمسار حضورها الأكاديمي، وفرصة للتعريف بإحدى لغات المنطقة وثقافتها وتاريخها.