دولة الحمايات والمستشارين… من يدفع الثمن؟

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

في الوقت الذي يُطالَب فيه المواطن العراقي بالصبر،
ويُطلب من الموظف شدّ الحزام،
ويُلام الفقير على لقمة عيشه،
تُدار الدولة بعقلية الامتيازات المفتوحة، لا بعقلية المسؤولية.

مئات أفراد الحمايات،
عشرات المستشارين،
مكاتب مترهلة،
وأرتال من السيارات المصفحة،
تتحرك يوميًا باسم “الخدمة العامة”،
بينما يُناقَش مستقبل الرواتب وكأنه عبء لا حلّ له.

قبل سنوات، حذّر الراحل الدكتور أحمد الجلبي بوضوح:

“الدولة قد لا تستطيع دفع الرواتب التقاعدية بعد سنوات، بسبب سوء الإدارة والاعتماد على التوظيف بدل خلق فرص العمل.”

لم يكن ذلك تشاؤمًا، بل قراءة مبكرة لمسارٍ خاطئ،
مسارٍ أوصلنا إلى دولة تصرف بسخاء على المسؤول،
وتقشف على المواطن.

وفق أرقام متداولة في الأوساط الرقابية والإعلامية،
فإن بعض كبار المسؤولين يشغلون مناصبهم محاطين بعشرات المستشارين،
ومئات من عناصر الحماية،
وموازنات تشغيلية شهرية ضخمة تحت عناوين “ضيافة” و“نثريات”،
تُصرف بلا شفافية كافية، ولا محاسبة حقيقية.

وهنا يُطرح السؤال المشروع:
هل يحتاج المسؤول إلى هذا الكم من الحمايات؟
وهل كثرة المستشارين دليل كفاءة أم دليل عجز؟
وهل يُعقل أن تُستنزف مئات الملايين شهريًا على مكتب واحد،
بينما يُطلب من المواطن أن يرضى بالقليل؟

المشكلة ليست في شخص،
بل في نظام امتيازات تحوّل من استثناء أمني إلى قاعدة سياسية،
ومن خدمة مؤقتة إلى نمط حياة دائم،
يدفع ثمنه شعبٌ كامل من قوته اليومي ومستقبله.

العراق لا يعاني من فقر الموارد،
بل من فقر الإدارة،
ولا يخشى الإفلاس بسبب الشعب،
بل بسبب الهدر، والترهل، وغياب العدالة في توزيع المال العام.

إن لم تُراجع هذه السياسات اليوم،
فإن تحذير أحمد الجلبي لن يبقى نبوءة،
بل سيتحوّل إلى واقعٍ قاسٍ
يدفع ثمنه الموظف.

قد يعجبك ايضا