مصطفى عبدالكريم قایتەوەني – لندن
يشهد العالم في القرن الحادي والعشرين سلسلة متلاحقة من الأحداث التاريخية العاصفة، أحداثٌ كان يُفترض أن تبقى حبيسة قرونٍ سابقة، لكنها عادت لتفرض نفسها بوجوهٍ أكثر عنفًا وتعقيدًا. غير أن هذه الوقائع، عند قراءتها قراءة تحليلية معمّقة، لا تبدو نتاجًا لعوامل عشوائية أو (يدٍ خفية)، خفية وغامضة بقدر ما هي نتائج مشاريع سياسية–استخباراتية ممنهجة، أعادت تشكيل خرائط الدول والمجتمعات، وزعزعت الأمن العالمي برمّته.
يمكن اعتبار أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001، نقطة التحول الكبرى في النظام الدولي المعاصر، فقد شكّل الهجوم الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة، والذي أودى بحياة قرابة ثلاثة آلاف شخص وأصاب أكثر من ستة آلاف آخرين، ذريعة لإطلاق مرحلة جديدة من التدخل العسكري والدبلوماسي الأمريكي المباشر، بدأت هذه المرحلة بأفغانستان، ثم العراق بعد عامين، لتتوسع لاحقًا وتطال مجمل منطقة الشرق الأوسط، أعقب ذلك انفجار غير مسبوق في ظاهرة الجماعات المسلحة العابرة للحدود، تحت مسميات أيديولوجية ودينية مختلفة، امتدت من أفغانستان إلى العراق، ثم إلى سوريا ولبنان وفلسطين واليمن، ولم تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل وصلت إلى دول إفريقية وأوروبية، مهددة الأمن والسلم الدوليين بصورة حقيقية ومخيفة.
ومع تصاعد هذه الفوضى، جاء ما عُرف بـ (الربيع العربي)، حيث سقطت أنظمة شمولية وديكتاتورية تحت شعار (الشعب يريد)، لكن النتائج جاءت في كثير من الدول بعيدة عن شعارات الحرية والديمقراطية، فقد غرقت أفغانستان والعراق في حروب طائفية داخلية دامية، أدت إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وانهيار مؤسسات الدولة، دون تحقيق أي تقدم حقيقي نحو بناء دولة حديثة مستقرة سياسيًا أو اقتصاديًا.
أما سوريا، التي صمدت لفترة أطول، فقد تحولت من بلدٍ عرف بتنوعه الحضاري والثقافي إلى ساحة حرب مفتوحة، اجتمعت فيها أخطر التنظيمات المسلحة، وتداخلت فيها مصالح أجهزة استخبارات إقليمية ودولية، ومن رحم هذا الخراب، وُلد تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش)، ليقرع ناقوس الخطر عالميًا، بعد أن نفذ عمليات إرهابية غير مسبوقة في عواصم أوروبية، بل وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
تمكّن تنظيم داعش في ذروة قوته من السيطرة على ما يقارب ثلث الأراضي العراقية، ومساحات واسعة من الأراضي السورية، وارتكب جرائم مروعة بحق المدنيين من نساء وأطفال وشباب، ما جعله رمزًا عالميًا للإرهاب المطلق. إلا أن المفارقة الصادمة تكمن في أن بعض هذه التنظيمات أو قياداتها، التي وُصفت لعقود بالإرهاب، عادت اليوم إلى الواجهة السياسية بغطاء (الشرعية)، يتجلى ذلك بوضوح في أفغانستان، حيث انسحبت القوات الأمريكية، وسقطت الحكومة الأفغانية، وعادت (حركة طالبان) —التي صُنّفت لأكثر من ربع قرن كتنظيم إرهابي—إلى الحكم بالاسم والهيئة نفسيهما، لكنها باتت اليوم طرفًا يُستقبل في المحافل الدولية، ويجتمع مع قادة ورؤساء حكومات العالم.
وسوريا ليست بعيدة عن هذا المشهد، فحتى وقت قريب، كان (أحمد الشرع)، المعروف بأسماء حركية متعددة، يُقدَّم كرمز للتطرف المسلح، يقود مجموعات ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. واليوم، يظهر بوجه سياسي جديد، يحكم بلدًا أنهكته الحرب، في مشهد يعكس حجم التناقض في المعايير الدولية.
وهنا تبرز الإجابة المؤلمة عن سؤالٍ طالما حيّر شعوب المنطقة، كيف يتحول (الإرهابي) إلى (رجل دولة)؟ وكيف يُعاد تدوير العنف ليُقدَّم بلباسٍ سياسي جديد؟ إن هذه التحولات تكشف بوضوح أن السردية الغربية ليست دائمًا مرادفًا للحقيقة أو العدالة، وأن كثيرًا من القادة صُنّفوا أعداءً ثم أُعيد تقديمهم كحلفاء، بينما دُفعت شعوب بأكملها ثمن هذه التحولات من دمائها واستقرارها.
وإذا عدنا إلى 25 أيلول/سبتمبرعام 2017، حين مارس شعب كوردستان في إقليم كوردستان العراق أحد أبسط حقوقه الإنسانية، والمتمثل في التعبير الديمقراطي عن إرادة الشعب عبر (استفتاء الاستقلال)، فإن العالم الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان اكتفى بالمشاهدة، بل أكثر من ذلك، فقد صمت أمام الهجوم الذي شنّته القوات العراقية والقوى الإقليمية في 16 تشرين الأول/أكتوبر عام 2017 ضد إقليم كوردستان وقوات البيشمركة الكوردية.
واليوم، نرى السيناريو ذاته يتكرر، لكن بأدوات جديدة ومفاهيم مختلفة، بهدف إسكات صوت ملايين الكورد في سوريا الذين عانوا لعقود طويلة من أنظمة سابقة، ولا سيما في ظل (حكم الأسدين)، حيث حُرموا من أبسط حقوقهم المدنية، كالهوية الشخصية، وشهادة الميلاد، والجنسية السورية، رغم كونهم مواطنين أصليين في تلك البلاد، واليوم، يُقتَل هؤلاء أمام أنظار العالم، في مفارقةٍ صارخة، وهم الذين لعبوا دورًا محوريًا في حماية العديد من المدن السورية من تنظيم داعش الإرهابي، ودفعوا أثمانًا باهظة من دمائهم دفاعًا عن الأمن الإقليمي والدولي.
إن أحداث عام 2017، وما نشهده اليوم في عام 2026، تجري أمام أعين قادة العالم، وفي ظل إدارة أمريكية تتابع المشهد وكأنه يُعرض على شاشات التلفاز، دون تدخلٍ فعلي يرقى إلى حجم المأساة.
وما يحدث اليوم في سوريا، من ملاحقة القوات السورية لمقاتلي الكُورد الذين قدّموا تضحيات جسيمة في سبيل حماية أمن مناطق (روژئاڤا) ومحاربة تنظيم داعش، يعيد إلى الأذهان صفحات سوداء من التاريخ، ويؤكد أن الأخطاء نفسها تتكرر، وأن منطق القوة لا يزال يتغلب على منطق الأخلاق والعدالة التاريخية.