حين يتحوّل الرمز إلى إدانة: جديلة المرأة الكوردية وشهادة الإفلاس الأخلاقي

سالي علي

في تاريخ الكورد، لم تكن الجديلة مجرّد تفصيل شكلي، ولا زينة أنثوية عابرة، بل رمزًا أخلاقيًا كثيف الدلالة، ارتبط بالشرف والكرامة وحقن الدم.
قصّ الجدائل، في الذاكرة الكوردية القديمة، لم يكن فعل إهانة، بل طقسًا رمزيًا بالغ القسوة على النفس، يُقدَّم طوعًا لإغلاق دائرة العنف، لا لفتحها. قربانٌ أخلاقي يُنهي الصراع بدل أن يمدّه.

من هنا، لا يمكن قراءة الجريمة التي ارتكبها أحد عناصر ما يُسمّى بالجيش السوري، المنحدر من العقلية الداعشية ذاتها، بقطع شعر مقاتلة كوردية بعد استشهادها، بوصفها “سلوكًا فرديًا” أو “تجاوزًا ميدانيًا”.
ما جرى هو فعل إذلال مقصود، مشبع بذات المنطق الذي حكم سلوك داعش في أفظع مراحله: تحويل جسد المرأة إلى ساحة انتقام، والرمز إلى أداة تشفٍّ.

لكن المفارقة الأخلاقية هنا قاسية عليهم لا لها.

ما فعله هذا العنصر لم يكسر الرمز، بل فضح جهله به.
لم يُسقط المقاتلة الكوردية من مقامها، بل أسقط نفسه في هوّة الإفلاس الأخلاقي.
فالجديلة التي قُصّت بعد الاستشهاد لم تكن موضع ضعف، بل تحوّلت إلى شاهد إدانة، يُضاف إلى سجل طويل من العجز عن مواجهة المرأة الكوردية حيّة، فيُنتقم منها ميتة.

في الثقافة الكوردية، حين تُقصّ الجديلة طوعًا، يُغلق باب الدم.
أما حين تُقصّ قسرًا، بعد الموت، فذلك إعلان صريح بأن الفاعل لا يملك شجاعة المواجهة ولا أخلاق الانتصار. هو لا يحارب مقاتلة، بل يحارب رمزًا عجز عن كسره وهي تقاتل.

إن استهداف شعر الشهيدة ليس فعل قوة، بل اعتراف غير مباشر بالخوف.
الخوف من امرأة حملت السلاح دفاعًا عن أرضها وكرامتها، ووقفت في وجه تنظيمات وعقليات لم تعرف من “الرجولة” سوى التمثيل بالجثث.

وهنا تحديدًا تنقلب المعادلة:
الوحشية لا تنتصر حين تمارس طقوس الإذلال، بل حين تُعرّي نفسها.
والقاتل، حين يفشل في هزيمة الرمز، لا يبقى له سوى تشويهه… فيفضح ذاته أكثر مما يجرح ضحيته.

المرأة الكوردية لم تُهزم بقطع جديلتها بعد استشهادها.
الهزيمة الحقيقية لحقت بمن احتاج إلى جثة ليمارس وهم القوة.
والتاريخ، كما علّمنا، لا يحفظ أسماء الجبناء، بل يحفظ رموز من قاوموهم.

قد يعجبك ايضا