سمير السوره ميري
بالأفعال تُمتحن القومية لا بالهتافات، فالمشاركة الوجدانية وحدها ليست بديلا عن الفعل، إن تحمل الآلام جماعيا هو كرامة الجماعة، يدٌ تُمسك بيد، وظهرٌ يُسند ظهرا، وتقاسمٌ للمصير عند الشدائد، هنا يتجلى وعي الأُمة بذاتها، حفظا لهويتها وتجددا لنهوضها وتقدمها، وحين لا يتفاعل الضمير القومي، تنقطع السلسلة في صناعة الوعي القومي.
حين يتحول الألم من عبء فردي إلى معنى جمعي، تتجلى الجماعة وتولد الأمة من جديد بوعي مدرك، فسقوط الواحد تصدّع في جدار الجميع، إن تقاسم الآلام والخبز قناعةٌ قومية بالقدر المشترك، وهي علاقة أخلاقية لا مجرد إنتماء، وعندها يتحول الفرد إلى حامل لجزء من المصير العام.
يقول ابن خلدون: “تقاس القومية بقدرتها على تحويل الأفراد إلى جماعة تتقاسم الخسارة كما تتقاسم المصير”، ويرى أن التماسك الإجتماعي شرطٌ للاستمرار، فالتضامن الاجتماعي وظيفة أخلاقية تحول الإنتماء من رابطة عاطفية إلى مسؤولية مرتبطة بكرامة الأمة، كما يرفض إرنست رينان تعريف الأمة على أساس المشتركات وحدها، ويرى أنها قائمة على الذاكرة المشتركة والرغبة المستمرة في العيش معا.
لقد تراكم الألم وتعددت التجارب النضالية عبر تاريخ الكورد، فنضجت بها الحكمة التي تحلت بها قيادتهم ومرجعيتهم الراشدة، في توحيد الإرادة الجمعية دون إلغاء التعدد، وإستطاعت بحكمتها تحويل الذاكرة الجريحة إلى وعي منتج، فالأمة الكوردية لا تسقط بالقمع الخارجي، بل حين تعجز عن إنتاج عقل يقود وجدانها، وحكمة تظبط مسارها.
وهذه الحقيقة أثبتتها الأحداث بسلامة الحكمة القيادية الذي وضع أساسها البارزاني الخالد، وبنيت عليها آمال الأمة الكوردية، ومازالت راية الحكمة ترفرف فوق كوردستان الكبرى، قادرة على تضميد الجراح بحكمتها المعهودة وصبرها القوي، وبقدرتها على الوقوف طويلا دون إنكسار بظهر مستقيم لا بانحناءة مهزومة، وما أحداث اليوم إلا حلقة من سلسلة مستمرة من أساليب الغدرة الممنهج، بقواميس الشيفونية لأقصاء حقيقةٍ ثابتة: أن الحلم الكوردي قادم.