بقلم علي ملا
في لحظة اقليمية شديدة القسوة ومع انسداد الابواب في وجه القضية الكردية طرق الرئيس مسعود بارزاني باب الفاتيكان خطوة لم تكن بروتوكولية ولا رمزية فقط بل محملة بدلالات سياسية وتاريخية عميقة تعيد الى الذاكرة واحدة من اكثر اللحظات حكمة في التاريخ الاسلامي المبكر هجرة جعفر بن ابي طالب الى الحبشة
حين اغلقت ابواب مكة في وجه المستضعفين الاوائل وحين تحول بيت الله الى اداة قمع بدل ان يكون ملاذا لم يتردد النبي محمد في توجيه اصحابه الى ارض بعيدة ليست مسلمة لكنها عادلة الحبشة لم تكن تشترك مع المسلمين في العقيدة لكنها اشتركت معهم في قيمة كبرى هي العدل وهناك وقف جعفر بن ابي طالب امام النجاشي لا ليستجدي حماية بل ليعرض قضية ويخاطب الضمير الانساني قبل الانتماء الديني
اليوم تتكرر الصورة باختلاف الازمنة والاسماء حين تصمت مكة ويتحول الازهر الى مؤسسة مقيدة بالحسابات وتغلق قم ابوابها خلف مصالحها يذهب بارزاني الى الفاتيكان ليس بحثا عن مباركة دينية بل عن موقف اخلاقي عالمي وعن صوت يستطيع ان يقول لا في وجه الظلم
زيارة بارزاني للفاتيكان تعكس فهما عميقا لطبيعة الصراع في المنطقة القضية الكردية لم تعد شانا محليا ولا ملفا داخليا بل قضية انسان وكرامة وحقوق شعب ومن هذا المنطلق كان التوجه الى الفاتيكان رسالة الى العالم مفادها ان العدل لا يحتكر وان الضمير قد يكون حيا خارج جغرافيا الشرق
كما لم تكن هجرة جعفر هروبا لم تكن زيارة بارزاني استسلاما كلاهما فعل شجاعة سياسية واخلاقية جعفر واجه قريشا بالحجة وبارزاني يواجه منظومة اقليمية ودولية بالتذكير بالقيم جعفر قال للنجاشي من نحن ولماذا ظلمنا وبارزاني يقول للعالم من هم الكرد ولماذا يدفعون ثمن صراعات لا يصنعونها
في زمن اختلطت فيه السياسة بالدين وفقدت فيه كثير من المرجعيات بوصلتها الاخلاقية يصبح طرق باب الفاتيكان فعلا سياسيا متقدما لا يخرج عن التاريخ بل يستحضره فكما ان العدل لا دين له فان المظلوم لا وطن له الا حيث يسمع صوته
هكذا لا تبدو زيارة بارزاني للفاتيكان حدثا عابرا بل امتدادا لمدرسة سياسية تعرف متى تواجه ومتى تتحرك ومتى تخاطب الضمير العالمي.