عبدالله طاهر برزنجي
قبل ثمانية عقود وفي جوّ داخلي ودولي متوتر تأسست جمهورية مهاباد (جمهورية كُردستان) وأعلِنت أسماءُ وزرائها وأنهمكت في أعمالها وتقديم خدماتها. تحقق على مساحة ضيقة ولفترة قصيرة جدا في كانون الأول من عام 1946 حلمٌ كرديّ عسلي. إن السرعة في تأسيس هذه الجمهورية وسقوطها المبكر ودعم الخارج لها ثم تخليه عنها واعدام قادتها صفحات حمراء من تاريخ شعبنا المعاصر وأحداث مثيرة في تاريخ الشرق.
في سبتمبر عام 1941 دخلت القوات البريطانية والامريكية والروسية ايران من الجنوب والشمال لتحطيم الجهاز الاداري الذي أسسه رضا شاه، فتفرق الجنود الايرانيون من جراء ذلك وباعوا أسلحتهم أو سلموها الى العشائر، وعلى اثر ذلك عمت الفوضى وسادت البلبلة فتحررت العشائر مستفيدة من هذا الوضع، ولم تستثن منها العشائر الكردية في الجبال وعلى المناطق المتاخمة للحدود العراقية والتركية. ففي هذا الجو والفراغ الاداري الذي نجم عن دخول القوات الروسية والامريكية والبريطانية تشكلت جمعية الانبعاث أو جمعية إحياء الكرد. ولخدمة مصالحها وتوسيع شبكة أطماعها ومراميها ولإبعاد المخاطر عن مركز قواتها في تبريز بدأت القوات الروسية بتنفيذ مخططاتها، ومن جملة الامور التي عملت لها هي تعزيز وتقوية موقف العشائر والداعين الى التحرر من سلطة الحكومة المركزية. لايعد شيئا غريبا وطرحا جديدا قولنا إن تأسيس هذه الجمهورية ونظيرها في تبريز انبثق عن غياب الإدارة والسلطة المركزية من جانب ودخول القوات الروسية والأمريكية والبريطانية والصراعات الدائرة من جانب آخر. لذلك تزامن ظهورها مع ظهور المصالح والمطامع الروسية والبريطانية والأمريكية وسقطت بانتهاء مهام ومصالح القوى العظمى هذا على صعيد المؤثرات الخارجية المباشرة في المنطقة. وهناك عوامل وأسباب اخرى وراء تأسيس جمهورية مهاباد منها تاريخية ومنها قومية تتعلق بحرمان الشعب الكردي من حقوقه المشروعة واضطهاده من قبل النظام الشاهنشاهي وهناك اسباب اخرى ذات صلة بتأسيس الجمعيات الثقافية والاحزاب الكردية وتطور الوعي القومي والثقافي.
كان الاتحاد السوفيتي يمد يد العون الى جمهورية مهاباد بشكل ينسجم مع كيفية تحقيق
مصالحه، حتى أن القاضي (محمد) بذل جهدا جهيدا ليزوّد السوفيت جمهوريته بالاسلحة الثقيلة غير أنه أخفق في تلك المساعي والمحاولات الكفيلة بتقوية جيشه. نعم نشأت هذه الجمهورية مع دخول القوات الروسية اراضي ايران وسقطت فور خر وجها منها، ورغم عمر هذه الجمهورية القصير إلا أنها خلفت للأجيال الكثير من الدروس والحكم ولاشك في أن عقد مقارنة بين تلك الجمهورية وحكومة الاقليم الحالية يخرج بنتائج وقضايا مثيرة للفرح والحذر في أن واحد. لقد كانت جمهورية مهاباد ترعى كثيرا قضايا الأمن والسلم والتآخي والتوحيد، فها هو صحفي ايراني شاهد جميع احداث تلك الفترة بعينه وشارك كمراسل حربي فيها يشهد على ذلك. إنه الصحفي (نجفقلي بسيان) الذي تجول في المنطقة في تلك الفترة وشغل منصب المشرف السياسي في مجلة (كهكشان) الفارسية يقول: (في فترة حكم (القاضي محمد) القصيرة لم يُقتل شخصٌ ولم يتلق أحد أذى على يده. وهذه شهادة كبيرة فيها الفوائد والعِبَر علها تفيد إخوتنا في الأحزاب والقيادات والحكومة في الوقت الراهن. إن الوئام والأمن كان شيئا كبيرا حال دون إراقة الدماء واللجوء الى الثأر من افراد واعضاء حكومة مهاباد، من قِبَل العشائر بعد سقوط الجمهورية، على العكس تماما من وضع الثوار الآذريين حين تعرضوا بعد سقوط جمهوريتهم الى هجمات من قبل بعض الناس بالهراوات والسكاكين (حسب قول نجفقلي بسيان).
مع الأسف الشديد لم تحظ جمهورية مهاباد بصدق ونية طيبة وصادقة من قِبل القوات الروسية، اذ تخلت عنها بعد ان تمت تصفية حساباتها مع الأطراف المقابلة. إن من يقراء الرسالة التي وجهها في حينه ستالين الى رئيس جمهورية آذربيجان جعفر بيشَوَري لن يتمكن من اخفاء سخطه ازاء موقف المعسكر الاشتراكي بصدد الموقف المدان الذي اتخذه تجاه الجمهوريتين الشهيدتين (مهاباد وآذربيجان) ولجوئه الى انتحال اعذار واهية. على صعيد الجبهة الداخلية كانت الجمهورية حسنة، سلام و وئام واحترام حقوق الآخرين والأقليات والطوائف الدينية غير المسلمة (اليهود) مثلا.
في هذه الذكرى العزيزة المؤلمة نتمنى أن تستغل الاحزاب الكردية الفرصة لتجنب الخلافات الجانبية وترأب الصدع على نحو عقلاني وتتخذ موقفا سليما وموحدا ازاء القضايا القومية والوطنية والمصيرية.