محمد حسن الساعدي
ما يجري من احداث في شمال سوريا، حيث تتقاطع خطوط النار مع خطوط السياسة، تتجلى الحرب بين هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كأحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السوري، إذ ليست هذه المواجهة مجرد اشتباك عسكري على أطراف إدلب أو ريف حلب، بل هي انعكاس لصراع مشاريع متناقضة، تتصارع على الشرعية والسلطة، بينما يبقى الشعب السوري الضحية الأولى والأخيرة.
الجولاني الذي يحاول إعادة تقديم نفسه كقوة محلية “معتدلة”، يسعى إلى توسيع نفوذه خارج إدلب، متطلعًا إلى دور سياسي يتجاوز حدود الفصائلية في المقابل فأن قسد المدعومة من واشنطن، تواصل ترسيخ مشروعها القائم على الحكم الذاتي الكردي، مستندة إلى دعم دولي يجعلها أكثر ثباتًا في مواقعها، وما بين الطرفين، تتسع رقعة المواجهة، لتتحول إلى حرب استنزاف لا رابح فيها سوى الفوضى.
فرنسا والاتحاد الأوروبي يراقبان، العراق يتأهب، والدول العربية ترحب بحوار سوري–سوري. لكن المواقف الدولية تبقى مترددة، وكأنها تنتظر لترى أي اتجاه ستسلكه الأحداث قبل أن تتدخل بجدية. هذا التردد قد يترك فراغًا تستغله قوى غير مرغوبة، سواء كانت تنظيمات متطرفة أو مشاريع إقليمية متنافسة.
الموقف التركي بدا غير واضح، إذ تنظر أنقرة بعين الريبة إلى قسد بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني، لكنها لا تخفي قلقها من تمدد هيئة تحرير الشام، الى جانب موقف الولايات المتحدة الداعم لقسد عسكريًا وسياسيًا، بينما تضع الجولاني في خانة الإرهاب، ما يعمّق عزلة الهيئة دوليًا، بالمقابل النظام السوري الذي يراقب من بعيد، مستفيدًا من انشغال خصومه ببعضهم البعض، فيما يواصل تثبيت سيطرته في مناطق أخرى.
الخاسر الوحي في هذه الجولات وهذه الحرب، ويدفع الثمن هم المدنيون، فمن نزوح جماعي من المناطق التي أجتاحت المناطق التي سيطرت عليها مجاميع الجولاني، الى إنهيار اقتصادي، وغياب الأمن، وإنقطاع الطرق التجارية بين إدلب وشرق الفرات والتي تعطلت تماماً، ناهيك عن الفراغ الأمني والذي يفتح الباب أمام عودة خلايا “داعش”، لتعيد شبح الإرهاب إلى الواجهة.
هذه الحرب ليست معركة حدود، بل معركة مشاريع مشروع إسلامي يسعى للهيمنة في الشمال، مقابل مشروع كردي مدعوم دوليًا يسعى لترسيخ الحكم الذاتي وبينهما يظل الشعب السوري عالقًا في دوامة نزاع لا يبدو أن له نهاية قريبة.
الصراع بين الفصائل المسلحة وقسد لم يعد مجرد مواجهات محدودة، بل تحول إلى حرب واسعة تهدد وجود قسد كمشروع سياسي وعسكري في سوريا،لان التطورات الأخيرة تشير إلى أن ميزان القوى يميل لصالح الجيش السوري والعشائر المدعومة إقليميًا.
إنها حرب تكشف هشاشة الوضع السوري، وتؤكد أن الحل لن يأتي من فوهات البنادق، بل من تفاهمات سياسية شجاعة، تضع مصلحة الشعب فوق حسابات الفصائل والدول. وحتى ذلك الحين، ستظل هذه الحرب عنوانًا يوميًا في صحف المنطقة، وجرحًا مفتوحًا في جسد سوريا المنهك.
شمال سوريا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتحول التقدم العسكري إلى فرصة لبناء استقرار سياسي وأمني، أو أن يبقى مجرد تبديل في خرائط السيطرة يفتح الباب أمام موجات جديدة من الفوضى. المطلوب رؤية شجاعة، تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع مصلحة الشعب السوري فوق كل اعتبار.