سالي علي
في كل منعطف حاد تمرّ به القضية الكوردية، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة:
لماذا لا تُعلَن الثورة الكوردية الآن؟ ولماذا يبدو القرار السياسي متريثًا، بل صامتًا أحيانًا، في لحظة يغلي فيها الشارع بالغضب والاستعداد للتضحية؟
السؤال مفهوم، بل مشروع، لكن الخطأ يبدأ حين يُختصر الجواب في تهمة واحدة: الخوف أو التخاذل. السياسة، بخلاف الشعارات، لا تُدار بردود الفعل، ولا تُقاس بالاندفاع وحده، بل بحسابات القوة، والزمان، والكلفة، والنتائج.
الثورة ليست بيانًا يُتلى، ولا هتافًا يُرفع، بل فعلًا تاريخيًا له شروطه. إعلانها في لحظة خاطئة قد لا يصنع مجدًا، بل قد يفتح باب كارثة تُدفع أثمانها لعقود. وهذا ما يجعل السؤال الأخطر ليس: لماذا لم تُعلن؟ بل: من يدفع نحو إعلانها الآن، ولماذا؟
الواقع اليوم يقول إن الساحة الكوردية محاصرة بسقف دولي واحد، مهما اختلفت الجغرافيا. أي خطوة كبرى خارج هذا السقف لا تُواجَه بالحياد، بل بالعقاب. التجربة الكوردية، في كل أجزائها، علّمت قادتها أن العالم لا يحمي الكورد حين يخطئون التقدير، حتى لو كانت نواياهم عادلة.
هذا لا يعني أن الانتظار فضيلة، ولا أن الصمت خيار أخلاقي دائم. لكنه يعني أن التوقيت، في السياسة، جزء من المعركة. الثورة التي تُعلن بلا حلفاء، ولا غطاء، ولا توازن ردع، قد تتحول من مشروع تحرر إلى ذريعة لإعادة سحق ما تبقّى من مكتسبات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أخرى: هناك أطراف، داخلية وخارجية، لا تخشى الثورة الكوردية بحد ذاتها، بل تخشى توقيتًا لا يخدم مصالحها. لذلك تسعى بعض القوى إلى دفع المشهد نحو الانفجار، لا من باب دعم الكورد، بل لاستخدام دمهم كورقة تفاوض أو كأداة لإعادة رسم الخرائط.
التصعيد العسكري، الاستفزاز الإعلامي، والتحريض الشعبوي، ليست دائمًا تعبيرًا عن شجاعة، بل أحيانًا وسائل لدفع الخصم إلى خطأ قاتل. التاريخ مليء بثورات اندلعت في لحظة غضب، ثم تُركت وحدها لتواجه مصيرها.
القضية الكوردية اليوم لا تقف بين خيار الثورة أو الخضوع، كما يُروَّج. بل بين خيار ثورة محسوبة تُبنى، أو انفجار عاطفي يُستثمر ضد أصحابها. الفارق بين الاثنين ليس في النية، بل في النتيجة.
وهنا يجب القول بوضوح: أي قراءة سياسية لهذا الواقع لا تعني قبول الظلم، ولا الرضا بالأمر الواقع، ولا تفويضًا مفتوحًا لأي اتفاق ناقص. بل هي توصيف لميزان قوى قائم، مع تأكيد ثابت أن حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره، والدفاع عن وجوده، حق غير قابل للتنازل أو التأجيل إلى الأبد.
الثورات لا تُقاس بسرعة إعلانها، بل بقدرتها على الاستمرار والانتصار. وما يبدو اليوم تأجيلًا، قد يكون محاولة لعدم حرق اللحظة التاريخية الأخيرة.
في النهاية، التاريخ لا يسأل: من كان الأكثر صراخًا؟
بل يسأل: من عرف متى يضرب… ومتى ينتظر؟