ما بين (روجافا) و (غزة).. الاجرام والتدمير واحد

الاستاذ عواد علي

روجافا، أو “غرب كوردستان” باللغة الكوردية، هي تسمية تُطلق على المناطق ذات الأغلبية الكوردية في شمال وشرق سوريا. وليس من باب المصادفة أن تُستدعى روجافا وغزة في جملة واحدة، ولا من باب المبالغة البلاغية أن يُقال إن التدمير واحد، وإن اختلفت الأسماء والرايات والذرائع. فحين ننظر بعمق إلى ما جرى ويجري في شمال وشرق سوريا، وما تعيشه غزة منذ سنوات طويلة، سنكتشف أن الجوهر واحد: إرادة شعب تُقابل بعنف منظّم، ومشروع حياة يُقابل بمشاريع موت، وحق في الوجود يُجابَه بسياسات الإلغاء والتجويع والتدمير.

لم تكن روجافا مجرّد رقعة جغرافية أو كيانًا عسكريًا، بل تجربة اجتماعية وسياسية حاولت، رغم الحصار والحروب، أن تطرح نموذجًا مغايرًا لما ألفته المنطقة: إدارة ذاتية، مشاركة للمرأة، تعددية إثنية ودينية، ومحاولة لفصل المجتمع عن منطق الدولة القومية الصلبة التي لا ترى في الإنسان سوى رقم في ماكينة السلطة.

هذا الحلم لم يُغفَر له. فمنذ ولادته، وجد نفسه محاصرًا من كل الجهات: عداوة أنظمة، قلق دول، وحقد قوى إقليمية رأت في أي تجربة ديمقراطية حقيقية خطرًا وجوديًا عليها. فكان القصف، والاحتلال، والتغيير الديمغرافي، وفتح الباب أمام فصائل متطرفة لتقوم بالمهمة القذرة نيابة عن الجميع.

أما غزة، فهي القصة الأكثر فجاجة في العصر الحديث عن العقاب الجماعي. أكثر من مليوني إنسان محشورين في بقعة صغيرة، تُقصف بانتظام، تُحاصر اقتصاديًا، وتُمنع عنها أبسط مقومات الحياة. لا ماء كافيًا، لا كهرباء مستقرة، لا أفق حقيقي للمستقبل. ومع ذلك، يُطلب من سكانها أن يعيشوا بشكل طبيعي، وكأن الطبيعي أن يولد الإنسان تحت الطائرات ويموت تحت الركام.

غزة ليست مجرد صراع عسكري، بل اختبار أخلاقي للعالم كله. اختبار فشل فيه المجتمع الدولي مرارًا، حين اختار الصمت، أو التبرير، أو استخدام لغة القلق الباردة أمام آلة تدمير لا تتوقف.

ما يجمع روجافا وغزة ليس التشابه في التفاصيل، بل وحدة المنطق الذي يحكم تدميرهما. في الحالتين، العدو الحقيقي ليس فصيلاً مسلحًا ولا شعارًا سياسيًا، بل الإنسان الحر الذي يحاول أن يعيش بكرامة خارج معادلات السيطرة.

في روجافا، كان الخطر هو نموذج مجتمع لا يخضع بالكامل لإرادة الدولة المركزية ولا لمنطق الإسلام السياسي ولا لهيمنة العشيرة. وفي غزة، الخطر هو بقاء شعب متمسك بأرضه وذاكرته، رافض للتحول إلى مجرد لاجئ أبدي أو رقم في نشرات الأخبار. التدمير هنا ليس رد فعل، بل سياسة. سياسة تهدف إلى كسر الإرادة، إنهاك المجتمع، وتحويل الحياة اليومية إلى صراع من أجل البقاء فقط، كي لا يتبقى وقت للحلم أو التفكير أو المقاومة الثقافية.

قد تختلف الخرائط، وقد تتباين الشعارات، لكن مشاهد الدمار واحدة: بيوت تُسوّى بالأرض، أطفال يكبرون أسرع من أعمارهم، أمهات يحفظن أسماء المقابر أكثر مما يحفظن أسماء المدارس. في روجافا كما في غزة، لا يُستهدف الحجر فقط، بل الذاكرة، واللغة، والعلاقات الاجتماعية، وكل ما يجعل من المجتمع كيانًا حيًا قادرًا على الاستمرار. والأخطر من القصف هو هذا الاعتياد العالمي على المشهد. أن يصبح خبر تدمير حي كامل خبرًا عابرًا، وأن تُختصر المأساة في أرقام بلا وجوه ولا أسماء.

لا يمكن الحديث عن روجافا وغزة من دون التوقف عند دور القوى الكبرى. فالتدمير لا يحدث في الفراغ. هناك صفقات، ومصالح، ومناطق نفوذ، تُقدَّم فيها حياة البشر كتكلفة جانبية “مقبولة”. في روجافا، استُخدمت الورقة الكوردية ثم أُحرقت عند أول منعطف مصالح. وفي غزة، يُستخدم حق النقض، والدعم العسكري، والخطاب المزدوج، لتوفير الغطاء لاستمرار المأساة.

روجافا وغزة ليستا ضحيتين فقط، بل شاهدتين على زمن عربي– شرق أوسطي يُعاقَب فيه من يحاول أن يعيش خارج القطيع. التدمير واحد لأن العقل الذي يديره واحد: عقل لا يرى في الإنسان سوى تهديد إذا فكّر، وخطر إذا حلُم، وعدو إذا أصرّ على الحياة.

ومع ذلك، ورغم كل هذا السواد، فإن ما لم يُدمَّر بعد هو الأهم: الإرادة. فالتجارب قد تُقصف، والمدن قد تُحتل، لكن فكرة الحرية– مهما بدت ضعيفةً– تملك قدرةً غريبةً على النجاة. وهذا ما يجعل روجافا وغزة، رغم كل الألم، أكثر من مجرد جغرافيتين منكوبتين؛ إنهما سؤالان مفتوحان في وجه العالم:

إلى متى يستمر التدمير؟ ومن يملك الشجاعة ليقول إن الكيل قد طفح؟

قد يعجبك ايضا