احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

 

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء الخامس والعشرون

ذهب شقيقي كاك أحمد الى بغداد، لمتابعة أخبار أخي أنور وعن طريق المحامي زيد أحمد عثمان الذي كانت تربطه صداقة مع الصحفي قاسم حمودي صاحب جريدة (الحرية) البغدادية، والذي كان ولداه سعد وجعفر عضوين بارزين في حزب البعث العربي الاشتراكي، وعن طريق هؤلاء تم العثور عليه وخففت عنه أعمال التعذيب. وكذلك ذهب أقاربي الآخرون من أمثال اولاد عمومتي آغا كاك خضر وجوهر حسين ملا الذي كان حاكماً آنذاك الى تكريت، حيث كانت هناك علاقة صداقة قديمة مع بعض العوائل التكريتية المتنفذة وعن طريق هؤلاء تم العثورعلى محمد ايضاً في أحد المعتقلات، وكان قد تعرض ايضاً لتعذيب شديد ومعاملة قاسية جداً.

عاد أخي كاك أحمد الى أربيل بعد أن اطمأن على أنور، وبعد أن حصل على وعود بأطلاق سراحه قريباً، وبعد أن ضمت اسمه قائمة باسماء المعتقلين من أعضاء ومؤيدي الحزب الديمقراطي الكوردستاني المعتقلين.

وبعد مرور فترة وجيزة على ذلك صدر قرار بالقاء القبض على شقيقي أحمد وأعتبر من الناشطين لتأييد الثورة الكردية، الا ان أخي كاك أحمد لم يستسلم للسلطات هذه المرة، بل ظل متجولاً في منطقتنا التي كانت تتجول فيها مفارز الانصار البيشمه ركه) ولم تتمكن أجهزة السلطة من الوصول اليه.

وقبل صدور أمر القبض ببضعة أيام عقد اجتماع لرؤساء العشائر في مصيف صلاح الدين، أشرف على عقده بدرالدين علي والمسؤولين العسكريين وذلك لكسب ولاء هؤلاء لتأييد الانقلاب، وقد ذهبنا مع شقيقي كاك أحمد بناءًا على التعليمات التي وردت من البارزاني، وذلك للأتصال برؤساء العشائر هؤلاء ومحاولة كسب تأييدهم للثورة الكوردية ،وقد أشرت إلى تفاصيل ذلك في الجزء الأول من كتابي هذا،  وقد تمكنا من اقناع بعضهم بالإلتحاق بالثورة الكوردية وكسب صداقة آخرين، أما الأكثرية فقد عادوا الى الارتزاق وهوعادتهم القديمة التي دأبوا عليها.

 

ورغم صدور بيان من ماسمي بـ ( المجلس الوطني لقيادة الثورة) حول حل القضية الكوردية على أساس من اللامركزية، الا ان الاجراءات التعسفية قد استمرت ضد المواطنين الكورد خارج وداخل المناطق الكوردية. كما وأستمرت هذه الأجراءات ضد المواطنين العراقيين في جميع أنحاء البلاد.

و صادف في هذه الأثناء وقوع انقلاب عسكري آخر في سوريا،قادها ايضاً حزب البعث العربي الاشتراكي في 8 اذار 1963 ،مما جعل ذلك من النظام الجديد في العراق أكثر غرورا وثقة بالنفس وأقسى وأشد أجراءً ومعاملةً مع جميع الفئات السياسية الأخرى، ولم يكن بيان اللامركزية بشأن حل القضية الكوردية على أساسها الا ذراً للرماد في العيون، وكسباً للوقت استعداداً لجولة جديدة من الحملات العسكرية.

بعد صدور أمر القاء القبض على شقيقي كاك أحمد، سافرت الى بغداد لتقصي أخبار أنور ومتابعة الوعود التي حصل عليها كاك أحمد بأطلاق سراحه، وبواسطة الأشخاص الذين ذكرتهم سابقاً تمكنت زوجته فائزة من مقابلته، وكذلك بجهود المسؤولين في الحزب الديمقراطي الكوردستاني فقد قطعت السلطات وعداً بأطلاق سراحه، وكان قد قابله سابقاً شقيقي كاك أحمد وأطمأن عليه، وبعد وصولي بغداد أهتديت الى عنوان الموقف الذي أعتقل فيه أنور من خلال زوجته فائزة ،وكان في أحدى الدور الواقعة في شارع السعدون فذهبت الى هناك ورغم محاولاتي لم يسمح لي بمقابلته، وبقيت انتظر في الباب الخارجي الى أن دخل في تلك الأثناء طلال ناجي شوكت الذي كان من الأعضاء البارزين والنشطين في حزب البعث، وكانت تربطني بطلال معرفة بسيطة بواسطة نسيبه المرحوم الدكتور موفق الزهاوي، والذي جاء ذكره في الجزء الأول من هذا الكتاب، وبعد أن حيّاني سألني بأستغراب عن وجودي هناك ولما أفهمته موضوع شقيقي أنور ادخلني الصالة المخصصة للأنتظار وصعد هو الطابق العلوي، وبعد مضي بضعة دقائق حضر أنور دون أي مرافق الى الطابق الأرضي حيث قابلته في صالة الأنتظار. وكانت آثار الأعتقال وسوء المعاملة بادية عليه ولما لم يكن هناك من يراقبنا فقد أراني آثار التعذيب على ساقيه وقدميه وظهره, وأخبرته بأني آمل في اطلاق سراحه قريباً، فأجاب بأنهم قد اخبروه بذلك ووصلتهم التعليمات اللازمة لذا فقد تغير اسلوب معاملتهم معه.

 

قبل الاحتفال بعيد نوروز 1963 بيومين أو ثلاثة، وفي تلك الاثناء قمت بزيارة الوفد الكوردي الذي جاء الى بغداد للتفاوض مع النظام الجديد حول سميراميس، كان الوفد مقيماً في فندق سميراميس فذهبنا سوية مع أخي أنور بعد اطلاق سراحه، وهناك التقيت بكل من جلال الطالباني رئيس الوفد وصالح اليوسفي وتبادلنا الأحاديث والآراء حول الوضع الجديد، وقد أبديا تفاؤلهما آملين في أيجاد حل مناسب للقضية الكوردية قريباً، وكان الفندق آنذاك مكتضاً بمختلف الزوار الكورد وكان النشاط يجري في أروقته على قدم وساق وكأنه خلية نحل.

 

وفعلاً فقد تم اطلاق سراحه بعد بضعة أيام، اما ابن عمي محمد حسين ملا فقد أطلق سراحه بعد عدة أشهر ،بعد ان لاقى صنوف التعذيب والفصل من الوظيفة.

وقبل الاحتفال بعيد نوروز 1963 بيومين أو ثلاثة، وفي تلك الاثناء قمت بزيارة الوفد الكوردي الذي جاء الى بغداد للتفاوض مع النظام الجديد حول سميراميس، كان الوفد مقيماً في فندق سميراميس فذهبنا سوية مع أخي أنور بعد اطلاق سراحه، وهناك التقيت بكل من جلال الطالباني رئيس الوفد وصالح اليوسفي وتبادلنا الأحاديث والآراء حول الوضع الجديد، وقد أبديا تفاؤلهما آملين في أيجاد حل مناسب للقضية الكوردية قريباً، وكان الفندق آنذاك مكتضاً بمختلف الزوار الكورد وكان النشاط يجري في أروقته على قدم وساق وكأنه خلية نحل.

وحضرت الحفل الذي أقيم فيما بعد بمناسبة عيد نوروز وكان يختلف كثيراً عن الحفل السابق الذي حضرته في العام 1959 كما ذكرت ذلك في الجزء الأول، وكانت الروح القومية الكوردية مسيطرة على قاعة الاحتفال ،وعلامات تأييد الثورة الكوردية وقائدها البارزاني ظاهرة للعيان وقد عبر عن ذلك الجمهور الحاشد الذي كان حاضراً في القاعة، وعند حضور اعضاء الوفد لقوا استقبالاً حاراً من لدن الجمهور، وكان هنالك عدد كبير من ممثلي الهيئات الدبلوماسية حاضرين كضيوف.

وخلال الأيام المتبقية من شهر آذار راجعنا أنا وأخي أنور الدوائر المختصة وتمكننا من الحصول على جواز سفر له، وفي أوائل شهر نيسان من تلك السنة سافر أنور الى خارج العراق وأستقر في المانيا الأتحادية، ثم لحقته عائلته بعد أنتهاء السنة الدراسية.

ومن الجدير بالذكر بأنه لم يعد الى العراق خلال تلك المدة الطويلة الا في شهر مايس عام 2001 ، وكان موضع ترحيب وتقدير من قبل جميع معارفه وأقاربه، وأستقبله في مكتبه السيد مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وكذلك السيد نيجيروان البارزاني رئيس حكومة الأقليم وجميع المسؤولين الآخرين في الحزب والحكومة، وكان موضع ترحيب بالغ لمواقفه القومية والوطنية المخلصة.

أعود الى عام 1963 ، فبعد سفر أخي أنور الى خارج العراق وأطمئناني عليه عدت الى اربيل، وفي شهر مايس من العام نفسه سافرت الى بغداد المرحومة والدتي وكانت تشكو من بعض الآلام في أطرافها وعرضتها على الأطباء، ولم يجر أي تشخيص ظاهر لمرضها وأعطيت بعض الأدوية اللازمة، وفي تلك الأثناء ذهبت ثانية إلى فندق سميراميس لزيارة الوفد الكوردي فالتقيت بالمرحوم صالح اليوسفي ،ومنه علمت بأن الطالباني قد سافر الى القاهرة مع الوفد الحكومي ولم يعد، ووجدت الفندق خاليا من الزوار الكرد بعكس المرة السابقة حيث كان مليئاً بالحركة والنشاط كما ذكرت.

 

 

ووجدت الأجواء متوترة جداً وأيقنت بأن الوفد لا يلقى الا المماطلة والتسويف، وأن الكورد يتجنبون زيارة الفندق أو لقاء أعضاء الوفد بسبب مراقبة رجال الأمن الواقفين في مدخله، ومع هذا فقد وجدت بأن اليوسفي لايزال متفائلاً ويأمل في أيجاد الصيغة المناسبة، وعلمت بأن حبيب محمد كريم أحد أعضاء الوفد قد تمكن من الهرب من الفندق عن طريق خداع رجال الأمن.

وفي أواخر شهر مايس 1963، عدت الى أربيل مع والدتي، وبعد يوم واحد أصيبت المرحومة والدتي بمرض كليوي فأدخلتها المستشفى الجمهوري، حيث ابقاها صديقنا الدكتور عبدالرزاق الدباغ تحت العلاج وأشرف شخصياً على معالجتها والاهتمام بها.

مغادرتي أربيل والتحاقي بالثورة الكوردية

كانت الأجواء شديدة التوتر بصورة عامة وأفراد الحرس القومي يجوبون الشوارع والأزقة للأعتداء على المواطنين وتهديدهم، ونتيجة هذه التصرفات والاعتداءات فقد أضطر الى مغادرة أربيل كل من كان له نشاط ما أو كان عضواً معروفاً في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والتجأ إلى مناطق الثورة أو الى المناطق التي لا تطالها أيدي السلطة، وكان الوضع كذلك في المدن الكوردية الأخرى، ولكنني أوردت ما كان يدور في أربيل بسبب اقامتي في هذه المدينة ولأن هذه التصرفات كانت تجري أمام عيني، هذا اضافة الى ماكان يدور في جميع أنحاء العراق.

ورغم حراجة موقفي ودقته ورغم هذه الظروف الصعبة، فقد ارتأيت البقاء في أربيل وتحمل المشاق بسبب وجود شقيقي كاك أحمد خارج أربيل، وكان مطلوباً من السلطات ولعدم وجود فرد آخر من أفراد عائلتنا لتمشية أمورنا والاشراف عليها ولوجود التزامات تجارية واقتصادية كبيرة لنا، ولأن الموسم الزراعي وجني المحاصيل كان على الأبواب أو قد باشر فعلاً ولم يكن هناك من يشرف أو يهتم بجمعه، وكان أكثر اعتمادنا على حلول ذلك الموسم لتمشية أمورنا، وكنت قد أتصلت ببعض الأصدقاء الذين يعملون في الأجهزة الأمنية والحكومية، وكانوا من الذين يتعاطفون مع القضية الكوردية وممن لهم مواقف مشرفة، فوعودوني أن يحيطوني علماً بأي طاريء، وكنت الاحظ- وبعكس الأيام الماضية- بأن أحد رجال الشرطة السريين وأحد عملاء المخابرات كانا يتناوبان مراقبة مكتبنا التجاري، ويجلسان طيلة النهار في المقهى المقابل لمكتبنا وكانا يدخلان أحياناً مكتب المرحوم جلال عبدوك المختار المجاور للمقهى والمقابل لمكتبنا أيضاً، وكان جلال يعرفهما شخصيا فيمزح معهما ويؤشر لمكتبنا ويضحك وثم ينقل لى أخبارهما وسبب وجودهما.

ذهبت الى مكتبي في عصر اليوم الرابع من حزيران 1963 ولاحظت بأن الأوضاع متوترة أكثر من السابق، ولاحظت نشاطاً غير عادي لرجال الأمن ولوحدات القوات المسلحة، فقضيت فترة قصيرة في المكتب وقفلت راجعاً إلى داري وأنا قلق ومهموم، ومكثتُ تلك الليلة في الدار وأنا أضرب أخماساً بأسداس، وفي الصباح الباكر أي في الخامس من شهر حزيران سنة 1963 ،تركت الدار متجهاً نحو مكتبي ومئات الأفكار والخواطر كانت تتوارد في ذهني، ولم يدر في خلدي انها ستكون المرة الأخيرة التي أرى فيها تلك الدار.

 

وفي جبل قره چوغ الذي يفصل سهل قراج وقصبة مخمور عن سهل ومنطقة کندیناوه، كان يوجد مقر مؤقت للأنصار، وكان يتواجد في ذلك المقر أفراد البیشمه ركه الذين هم من أهالي سهل أربيل والمناطق المحيطة بالمدينة. وكان ذلك المقر الوقتي قد أسس بعد انقلاب 8 شباط 1963 ،وأثناء فترة الهدنة بين قيادة الثورة الكردية وسلطات الانقلاب، وكان شقيقي كاك أحمد قد أنضم الى المقر المذكور قبل ذلك التاريخ بأيام قليلة، وجبل قره جوغ هذا يمتد بين الزابين ولا تتواصل نهايته مع أية سلسلة أخرى من الجبال بل هو شامخ لوحده في هذه المنطقة السهلة المعطاء ويفصل بين سهلي قراج وكنديناوه الخصبتين والغنيتين بالثروات النفطية

 

 

وبينما أنا في طريقي الى المكتب صادفت رتلاً طويلاً من العربات العسكرية محملة بالجنود المدججين بالسلاح وبكامل بدلاتهم القتالية وكافة اللوازم، وكذلك قطعات أخرى من العربات المدرعة وعربات أخرى تسحب وراءها مدافع ميدان ثقيلة، وقدرت تلك القوة بجحفل لواء ورأيتها متجهة نحو طريق اربیل-مخمور.

وفي جبل قره چوغ الذي يفصل سهل قراج وقصبة مخمور عن سهل ومنطقة کندیناوه، كان يوجد مقر مؤقت للأنصار، وكان يتواجد في ذلك المقر أفراد البیشمه ركه الذين هم من أهالي سهل أربيل والمناطق المحيطة بالمدينة. وكان ذلك المقر الوقتي قد أسس بعد انقلاب 8 شباط 1963 ،وأثناء فترة الهدنة بين قيادة الثورة الكردية وسلطات الانقلاب، وكان شقيقي كاك أحمد قد أنضم الى المقر المذكور قبل ذلك التاريخ بأيام قليلة، وجبل قره جوغ هذا يمتد بين الزابين ولا تتواصل نهايته مع أية سلسلة أخرى من الجبال بل هو شامخ لوحده في هذه المنطقة السهلة المعطاء ويفصل بين سهلي قراج وكنديناوه الخصبتين والغنيتين بالثروات النفطية، وقد سبق أن ذكرت في الجزء الأول من هذا الكتاب قصة غزو سهل قراج من قبل العشائر العربية في العهد العثماني، وكيفية دحر ذلك الغزو من قبل عمي المرحوم ابراهيم بايز (إبراهيم اغا )، ولا زالت سياسة التعريب هذه قائمة بالنسبة لهذه المناطق، وتنقذ الآن بأبشع صورها من قبل السلطة المركزية، أن منطقة كوردستان تعتبر واحدة من أغنى المناطق في العالم بالنسبة للثروة النفطية وخصوبة أراضيها، وأن ثلاثة من أكبر آبار النفط في العالم تقع في كوردستان، وأن أكبر وأوسع بئر نفط في العالم يقع في منطقة كنديناوه و هو بتر ساره لو (دربند ساره لو) قرب الشاطيء الغربي للزاب الصغير، ويبلغ انتاجه اليومي (مائة ألف برميل ) من النفط الخام !!. فلا غرابة في أن تكون المنطقة دائماً معرضة للأطماع، لذا كانت تلك القوة التي ذكرتها متوجهة الى المنطقة المذكورة كبداية لخطة التعريب المعدة تنفيذها في أجزاء عديدة من كوردستان.

 

قد يعجبك ايضا