سالي علي -استراليا
رأيي، وباختصارٍ خالٍ من المجاملات:
ما صدر عن أحمد الشرع لا يُعدّ اعترافًا بحقوق الكورد بالمعنى السياسي أو التاريخي، بل لا يتجاوز كونه إقرارًا ثقافيًا شكليًا، لا يمسّ جوهر القضية الكوردية ولا يقترب من لبّها الحقيقي.
فالاعتراف باللغة والثقافة، ما لم يُقرَن باعترافٍ صريح بالكورد كشعبٍ أصيل على أرضه، لا بوصفه “مكوّنًا”، وما لم يُترجم إلى حقوق سياسية واضحة، ولا مركزية دستورية ملزمة، وضمانات قانونية غير قابلة للإلغاء بمرسومٍ لاحق، يبقى محصورًا في إطار الديكور السياسي لا أكثر.
وظيفة المراسيم الرمادية
هذا النمط من المراسيم يُستخدم عادة لتحقيق ثلاثة أهداف معروفة:
تهدئة مؤقتة للشارع
تسويق خارجي يوحي بأن “الملف الكوردي قيد المعالجة”، وكسب الوقت دون دفع أي ثمن سياسي حقيقي.
والأخطر من ذلك، أن الحقوق الثقافية تُقدَّم غالبًا بوصفها بديلًا عن الحقوق السياسية، وكأن السماح باللغة يمكن أن يعوّض عن إنكار الأرض، والقرار، والتمثيل.
.اللغة ليست جوهر الصراع
والحقيقة أن القضية الكوردية لا تبدأ من اللغة، ولا تنتهي عندها.
اللغة حق طبيعي، لكن الاعتراف بالشعب هو جوهر الصراع.
ومن دون نص دستوري ملزم، ومؤسسات تشريعية، وتمثيل سياسي حقيقي، يبقى أي مرسوم من هذا النوع قابلًا للإلغاء في أول صباح سياسي جديد، حين يتغيّر المزاج أو تختلّ موازين المصالح.
المنطقة الرمادية: أخطر من العداء
الخلاصة أن ما جرى لا يشكّل خطوة إلى الأمام، بل محاولة لإبقاء الكورد في المنطقة الرمادية:
لا قمع صريح، ولا اعتراف حقيقي.
وهذه المنطقة، سياسيًا، أخطر من العداء الواضح.
التوقيت والآلية واللغة
وإذا وسّعنا النقاش من زاوية أعمق، وبقراءة سياسية هادئة، سنجد أن الإشكالية لا تكمن فقط في مضمون ما قيل، بل في التوقيت، والآلية، واللغة المستخدمة.
أي سلطة تُصدر مراسيم في مرحلة انتقالية، من دون إطار دستوري ثابت، إنما تتعامل بمنطق إدارة الأزمة لا حلّها. والملف الكوردي تحديدًا لا يُدار بالأزمات ولا بالمسكنات.
خوف من التسمية الصريحة
المرسوم يكشف أيضًا خشية واضحة من تسمية الأشياء بأسمائها. هناك فارق جوهري بين “السماح” باللغة، والاعتراف بها كلغة شعب، وبين ثقافة تُمارَس وهوية سياسية تُحمى.
الصياغات الرمادية هنا ليست عفوية، بل مقصودة، لأنها تفتح باب التراجع لاحقًا من دون أي كلفة سياسية.
تفكيك الجغرافيا والوعي
الأخطر أن الطرح حاول فصل الكوردي عن سياقه الجغرافي والتاريخي، وكأن القضية مجرد شأن داخلي ضمن حدود الدولة الراهنة، لا قضية شعبٍ قُسّم قسرًا بين أربع دول.
هذا النوع من المقاربات لا يجزّئ الحقوق فحسب، بل يجزّئ الوعي، وهو أخطر من الإنكار المباشر.
الحقوق وتوازن القوى
ولا بد من التذكير بأن أي اعتراف لا ينبثق عن توازن قوى حقيقي يظل اعترافًا هشًا. الحقوق لا تُمنح لأنها عادلة، بل تُنتزع وتُفرض بالواقع السياسي.
وعندما تتحدث السلطة عن “حقوق” من موقع تفوّق، من دون شراكة أو تفاوض، يصبح السؤال المشروع ليس: ماذا قدّمت؟ بل: ماذا تريد في المقابل؟
الخلاصة السياسية
في المحصلة، القضية الكوردية اليوم لا تحتاج إلى بيانات ولا مراسيم. تحتاج إلى مسار واضح، قابل للقياس، ومحصّن من تقلّبات المزاج السياسي.
وكل خطاب لا يفتح هذا المسار، مهما بدا ناعمًا أو إيجابيًا، يظل جزءًا من إدارة الوقت… لا من صناعة