د. محمد صديق خوشناو
تاريخ كوردستان الحديث يكشف نمطاً متكرراً: في كل مرة تُعقد فيها صفقات إقليمية كبرى، يدفع الكورد الثمن الأكبر، بينما يبقى مصيرهم رهناً بغياب القرار الداخلي ووحدة الصف. من اتفاقية الجزائر عام 1975، حين تم التنازل عن شط العرب مقابل قمع ثورة كوردستان بقيادة الجنرال الخالد مصطفى بارزاني، إلى ما يُتداول اليوم عن تفاهمات جديدة تستهدف روجافا، تتكرر المعادلة نفسها: الكورد مُستهدفون، والتضحيات تذهب بلا مكافأة حقيقية.
في أكتوبر 2017، وبعد أن كان الكورد في طليعة المدافعين عن العراق وهزموا داعش حين انهارت جبهات كثيرة، انقلبت بعض القوى الكوردية على مصالح الإقليم، ووقفت مع بغداد ضد كركوك ومناطق أخرى، في واحدة من اللحظات الأكثر إيلاماً في تاريخهم الحديث. ولم تُكافأ التضحيات، بل عوقب الكورد على ضعف التنسيق ووحدة القرار.
واليوم، بعد انتخابات إقليم كوردستان 2024، يظل الإقليم بلا حكومة متفق عليها، فيما الخلافات الحزبية وتقاسم النفوذ وأولوية المصالح الضيقة تُعطل إرادة الناخبين وتزيد الفراغ السياسي عمقاً. وكما جرت العادة، ينتظر الجميع مبادرة فخامة الرئيس مسعود بارزاني لكسر الجمود وفتح طريق تشكيل الحكومة، في مشهد يوضح أن غياب القرار الداخلي يفاقم هشاشة الإقليم أمام الضغوط الخارجية.
الرسالة واضحة: كلما تأخر الاتفاق الكوردي–الكوردي، سَهُل على الآخرين فرض الصفقات على حساب كوردستان. أيها الكورد: أليس التنازل لبعضكم، من أجل مشروع جامع، أشرف وأبقى من التنازل للخصوم؟
التاريخ لا يرحم الممزقين، لكنه ينحاز في النهاية إلى الشعوب التي تتعلم من جراحها وتحوّل تضحياتها إلى وحدة ومشروع سياسي واضح.