سالي علي -استراليا
لم تعد روج آفا مجرد مساحة جغرافية خارج سيطرة المركز، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لفكرة الشراكة في سوريا المستقبل. ما يجري اليوم ليس صراعًا على إدارة محلية فقط، بل صراع على تعريف الكورد أنفسهم: هل هم شعب له حق الإدارة والقرار، أم “مكوّن” يُمنح بعض الحقوق الثقافية
كلما اقتضت الحاجة السياسية؟
من الناحية الواقعية، تعيش روج آفا اليوم حالة إدارة فعلية دون غطاء دستوري. هذا الواقع منح الكورد قدرة على حماية أنفسهم وتنظيم شؤونهم، لكنه في الوقت نفسه أبقاهم في منطقة هشّة، تُدار وفق توازنات دولية لا وفق اعتراف سياسي ثابت. أي تغيير في هذه التوازنات قد يحوّل هذا الوجود من مكسب إلى عبء إن لم يُحصَّن سياسيًا.
المشكلة الأساسية ليست في نقص النصوص، بل في غياب الاعتراف. الاعتراف باللغة والثقافة، إذا لم يترافق مع اعتراف بالكورد كشعب أصيل على أرضه، وحقه في إدارة مناطقه، يبقى خطوة شكلية تُستخدم لامتصاص الضغط لا لحلّ جذري.
روج آفا لا تحتاج “إذنًا” لممارسة هويتها، بل ضمانات تمنع تحويل وجودها إلى ورقة تفاوض عند كل منعطف.
في هذا السياق، تبدو محاولات إعادة إنتاج الدولة المركزية، ولو بواجهة جديدة، خطرًا قائمًا. أي مشروع لا مركزي بلا صلاحيات حقيقية، أو اعتراف مؤجل، هو في جوهره تأجيل للصراع لا إنهاؤه. والدرس السوري واضح: القضايا المؤجلة تعود أعنف.
ماذا يجب على الكورد فعله الآن؟
أولًا: تثبيت البوصلة السياسية
الخطاب الكوردي يجب أن يكون واضحًا: القضية ليست خدمات، ولا ثقافة فقط، بل حق شعب في الإدارة والقرار. أي تنازل عن هذه الصيغة يُفرغ النضال من مضمونه.
ثانيًا: تحويل الإدارة الواقعية إلى مطلب سياسي
ما هو قائم على الأرض يجب أن يُترجم إلى مشروع سياسي معلن، لا كأمر واقع فقط، بل كحلّ منطقي لاستقرار سوريا، لا كاستثناء.
ثالثًا: وحدة الخطاب قبل وحدة التنظيم
الخلافات الداخلية تضعف الموقف أكثر من أي ضغط خارجي. المطلوب حدّ أدنى من التوافق على الثوابت، حتى مع اختلاف الرؤى.
رابعًا: رفض المنطقة الرمادية
لا القبول بإنكار صريح، ولا الاكتفاء بوعود ناعمة. الرمادية أخطر من العداء، لأنها تُطيل الانتظار وتستهلك الزمن.
خامسًا: تدويل ذكي لا استجداء سياسي
ربط القضية الكوردية بمبادئ الاستقرار وحقوق الشعوب، لا بعواطف ولا بشعارات، وبخطاب عقلاني يفهمه العالم ويحترمه.
روج آفا ليست تجربة مؤقتة، بل نتيجة مسار طويل من التضحيات. الحفاظ عليها لا يكون بالمراهنة على حسن النوايا، ولا بالخوف من المواجهة السياسية، بل بتحويل الواقع إلى حق، والحق إلى نص، والنص إلى ضمانة لا تُلغى بمرسوم.
القضية الكوردية اليوم تقف عند مفترق طرق:
إما ترسيخ إدارة كوردية واضحة ضمن إطار لا مركزي
حقيقي،
أو العودة إلى دائرة الوعود المؤجلة التي خبرها الكورد طويلًا.
وفي لحظات كهذه، أخطر قرار هو التردد.