قادة الرأي أم قادة السياسة: أيّهما الأقرب إلينا؟

د. ابراهيم احمد سمو

قال لنا المارّ من عندنا في هذا الصباح، وكأن سؤاله كان مُعدًّا منذ زمن:
بين قادة الرأي وقادة السياسة، أيّهما ترون أنفسكم أقرب إليه؟

سؤالٌ بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه فتح بابًا واسعًا للنقاش، خصوصًا ونحن نعمل في فضاء يتقاطع فيه السياسي مع الإعلامي، ويتجاور فيه الأدبي والثقافي مع الشأن العام. عندها وجدنا أنفسنا نُفكك المفهومين، لا لنفاضل بينهما بقدر ما نحاول فهم المسافة التي تفصل بينهما، أو تلك التي تجمعهما.

قادة الرأي، كما نراهم، هم الأدباء والكتّاب والفلاسفة، و اهل الفكر وكل من اختار الثقافة والكتابة سبيلًا للتأثير. هم أولئك الذين يبحثون في آرائهم عمّا هو أفضل للأمة التي ينتمون إليها، حتى وإن لم يكونوا بالضرورة قادةً و كوادر سياسيين. تأثيرهم عميق، وبطيء أحيانًا، لكنه راسخ. أسماؤهم تبقى، وأفكارهم تتجاوز الأزمنة، لأنهم ينتمون إلى ثوابت الحياة، لا إلى تبدلات السلطة.

أما قادة السياسة، فحضورهم مرتبط بالمرحلة واللحظة. ورغم أن القائد السياسي، في الأصل، يُفترض أن يكون صاحب رأي وفكر، وحاملًا لثقافة واسعة، إلا أن الواقع كثيرًا ما يُخالف هذا الافتراض. فالإزاحة السياسية قاسية؛ تزيح معها الأفكار، وتُغيب الرؤى، وحتى إن بقي شيء من الفكر الجميل، فإنه يظل حبيس الجدران أو متناثرًا بين الناس هنا وهناك، بلا سند رسمي ولا منصة فاعلة.

ومن هنا، قلنا لزائرنا:
هل أدركت الآن أيّهما الأقرب إلينا؟

نحن نؤمن أن المجالين، قيادة الرأي وقيادة السياسة، مُكملان لبعضهما، لكن الواقع في جغرافيتنا المحدودة، وعند مسقط الرأس، يجعل عالمنا السياسي يطغى على عالمنا الأدبي والثقافي، أو يزاحمهما على الأقل. ثلاثةُ أرباع العمر قضيناها في مدينةٍ أخذت منا الكثير، ولم تُعطنا بالمقابل إلا القليل، ولهذا الرأي قصص طويلة، بل قصص لا تُحصى.

نصل هنا إلى قناعة واضحة:
على السياسي أن يكون قائد رأي قبل أي شيء،
لكن ليس شرطًا أن يكون كل قائد رأي قائدًا سياسيًا.

المفارقة المؤلمة عندنا أن العكس هو السائد؛ فهناك من يتقدم الصفوف سياسيًا دون أن يحمل إرثًا ثقافيًا أو فكريًا حقيقيًا. بينما نرى أن القائد السياسي، قبل أن يكون ميدانيًا أو إداريًا، لا بد أن يكون حاملًا لثقافة سياسية وفكرية عميقة، قادرة على تفسير الواقع لا مجرد إدارته.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن نفرًا من الساسة بدأت ملامح التحول تظهر عليهم. أولئك الذين كانوا قادة سياسة فقط، أصبحوا اليوم قادة فكر ومقال، يكتبون شبه يومي، ويخوضون في الرأي العام بثقة ومسؤولية. وهكذا نالوا، عن جدارة، شارة الجمع بين قيادة الرأي وقيادة السياسة.

هنا هزّ زميلنا رأسه وقال بصراحة لا تحتمل الالتفاف:
(أنا، وبوضوح، من قادة الرأي، لكنني، حتى هذه اللحظة، لا أجد في نفسي الجرأة لأقول إنني قائد سياسي)

وأضاف، وهو ينظر في مرآة ذاته:
(أشعر أنني بعيد عن السياسة، رغم أن عملي الإعلامي والأدبي والثقافي يذوب، شاء أم أبى، في بوتقة العمل السياسي. نحن جزء من هذه المؤسسة التي نعمل فيها سويًا، لكنني أدرك الآن أن عملكم، بل عملنا جميعًا، شائك وصعب، وأن السير على خطَّي الرأي والسياسة معًا يحتاج توازنًا نادرًا).

عندها ضحكنا من الأعماق، وقلنا للزائر، وللزميل معًا:
وماذا عن كل هذه الإصدارات؟ وهذه المقالات اليومية؟ وهذا الإخلاص وهذا الحرص؟
نحن، رغم كل ذلك، لا نشعر أننا محسوبون تمامًا على هذا أو ذاك.

لكن المهم أننا مقتنعون بأننا نحمل شارة الاثنين معًا، ولو بصمت.

ضحك صديقي، وقال مازحًا:
(ممكن تطلب لنا الشاي، ونغيّر الموضوع؟)

ومن تلك اللحظة فتحنا بابًا آخر للكلام. قلت له:
(هل لك أن تأتي معنا في تعازٍ؟)
ضحك، ولم ينتظر الشاي، استدار وهو يقول:
(اشربوا الاستكانين معًا… وباي).

قد يعجبك ايضا