نوري جاسم
لم يكن في الغرفة سوى جدارٍ واحد، ممتدٍّ كالعمر، صامتٍ كسرٍّ قديم، يواجهه كلما جلس مع نفسه. لم تكن الغرفة مظلمة تمامًا، لكنها خالية من الضوء الحقيقي، ذلك الضوء الذي لا تخلقه المصابيح ولا تصنعه النوافذ المعتادة. جلس قبالته طويلًا، متعبًا من كثرة التفكير، يشعر أن صدره أضيق من أن يتّسع لكل ما يحمله من أسئلة، وأن قلبه يشبه بيتًا أُغلقت نوافذه منذ زمن بعيد. أغمض عينيه لا ليهرب، بل لأنه أدرك فجأة أن الرؤية لا تبدأ من العين. في سكونٍ عميق، سمع طرقًا خفيفًا، طرقًا لا يُقلق الصمت بل ينسجم معه، كأن أحدهم يستأذن الدخول إلى أعماقه. فتح عينيه ببطء، فرأى ما لم يكن في حسابه: شُبّاكًا صغيرًا يتشكّل في الجدار، لم يُحفر بإزميل، ولم يُصنع بيد، بل وُلد كما تولد الفكرة الصادقة في القلب. لم يكن من خشب ولا زجاج، بل من نورٍ حيّ، يتنفس ويشع، ينساب بلا ضجيج، كأنه يعرف طريقه منذ الأزل. اقترب بخطوات مترددة، لا خوفًا من النور، بل رهبةً منه، فالنور حين يأتي يكشف أكثر مما يضيء. وما إن لامس الشُّبّاك حتى شعر أن الجدار كله لم يكن إلا حجابًا رقيقًا، وأن الظلمة التي عاش فيها لم تكن قسوة المكان، بل غياب الانتباه. دخل النور، لا ليملأ الغرفة فحسب، بل ليوقظ فيه شيئًا نائمًا، ليخبره أن القلب حين يصدق يتحول إلى نافذة، وأن الطريق إلى الله لا يحتاج طول سفر ولا كثرة سؤال، بل شجاعة فتح الداخل. عندها ابتسم ابتسامة من عرف، لا من فهم، وأدرك أن أقصر المسافات بين الإنسان والحقيقة ليست طريقًا ولا بابًا… بل شُبّاك.، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .