د. توفيق رفيق آلتونچي
ماذا سوف يحصل حين تتحاور الآلات فيما بينها وهل سينتهي عهد سلطةً البشر؟
لست متفائلا أبدا من التطور العلمي ونتائجه. العالم في تغير مستمر ونحن نقترب كذلك من الناحية المعلوماتية من موجة جديدةً تحمل في طياتها حتىً نهاية الوجود البشري. باعتقادي ان التطور سيؤدي إلى حرمان الشعوب الصغيرة من حريتها حين تتحول الترسانة العسكرية للدكتاتوريات متطورة إلى درجة مخيفة تستطيع بها قهر الشعوب الصغيرة. هذه المادة ليست من الخيال العلمي بل حقيقة أصبحت واقعة اليوم وتنتشر بسرعة في جميع انحاء العالم. انه عالم جديد تتمكن الأجهزة من اتخاذ القرارات المهمة مع الحوار فيما بينها. لا بد ان نعترف ان الإنسان الشرير تواجد منذ أبونا ادم وذريته وهو يؤدي مهمته الشريرة دون اي انقطاع لا بل تمكن اليوم من الحصول علىً جميع الأجهزة والآلات المتطورة والروبوتات التي تستطيع اجراء عمليات خيالية وتتمكن لاحقا من السيطرة الكاملة علىً مقدرات البشر وتقرر مصير الشعوب. القدرة على التحليل واتخاذ القرار المناسب من خواص العقل البشري ورغم ذلك يخطأ الإنسان كثيرا في قراراته فما بال الآلة التي تعتمد على الرياضيات الخوارزمية* وعلى نظام الاحتمالات في إيجاد الأجوبة وحل المسائل المعقدة. تمكن الذكاء الصناعي من جعل العلم بين أيدي الانسان العادي وحتى الجاهل في حين كان قبل ذلك منحصرا في المؤسسات الأكاديمية والمدارس والجامعات ورجال العلم .

هذه الثورة المعرفية المتوفرة اليوم حتى في اجهزة الهاتف الجوال ومتوفر للجميع لا يحتاج إلى اي جهد شخصي وحتى معرفة او دراسة فقد يكون المرء أميا لكنه يستمع الى الهاتف او الكومبيوتر الذي يجيب على الأسئلة الشفاهية وبكافة اللغات ليل نهار. قبل نصف قرن كان العلماء يتساءلون هل سيجعل التقدم العلمي الإنسان اكثر طيبة ام يتحول إلى شرير. ما مدى وعي تلك الالات للأخلاق وتطبيقهم للأنظمة الاخلاقية؟
الحقية ان حتى الأقوام والثقافات المختلفة لها حدود أخلاقية مختلفة ولا يمكن تعريفها في عملية حسابية وبرمجتها. وما هو أخلاقي عند قوم ربما يعتبر لا أخلاقيا عند قوم آخر او حتى لدن حركة سياسية. بالتأكيد ان ما جرى للايزيديين من سبي وقتل في كوردستان نموذج حي على انحطاط الأخلاق المتدنية وهي بعيدة عن نطاق الأخلاقي الإسلامي والإنساني حيث الأخلاق في الدين المحمدي السمح عبارة عن المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني ، والتي يحددها الوحي في النص ألقراني لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل والتأم فيما يخص أفعال الحركات السياسية الدينية. وربما عملية الأنفال والمقابر الجماعية واستخدام الأسلحة الفتاكة والمتطورة في قمع الحركة الكوردستانية من قبل الحكومات المتعاقبة دليل آخر على اختلاف فهم معنىً الأخلاق الحميدة حتى عند استخدام السلطة عند الاحزاب القومية والسلبية. السلطة والحكم بكافة أنواعه تنخر السلوك الإنساني ويمكن استخدامه لفعل الخير والشر معا. لكن أبعاد فعل الشر وحدوده لا نهاية له وتصل في النهاية إلى محو الحياة وبكافة اشكالها على الثرى. الكم الكبير ولا نهائي من المعلومات التي يمكن خزنها على شرائح صغيرة ( نانو) معينة لا يمكن للبشر ان يحفظة يؤدي بالالة ان يسيطر على كافة مجالات الحياة في المستقبل وهي ذو قابلية لتخليل كل تلك المعطيات واتخاذ القرارات الصائبة والأخلاقية على اقل تقدير تطبيق الوصايا العشر. هذا الكم الخيالي من المعلومات ستكون في حالة تبادلها بين الأجهزة مخيفة من ناحية الكم وسرعة التداول واتخاذ القرار. هذا يشمل المعلومات الشخصية للأشخاص وخصوصياتهم وتاريخهم الصحي واتجاهاتهم الفكرية وأماكن القوة والضعف في شخصيتهم. لا ريب ان تلك الكمية الهائلة من المعلومات ستكون اساساً للإنتاج المعرفي وربما للتصحيح السهو والخطأ وإعادة كتابة المعلومات. لكن كما ذكرت انً كل ذلك لا يخلو من اخطاء وهنا تكمن الطامة الكبرى لان اي خطأ سيؤدي إلى كارثة حقيقية حسب نظرية التراكمية وما يسمى ب ” تاثيرالدومينو” وكرة الثلج التي تتحرج كما في الانهيارات الثلجية او الإنشطار النووي الذي يؤدي إلى انشطار النواة وفي كل مرة يحدث التفاعل، يحدث انبعاث للطاقة على شكل حرارة وإشعاع. ويمكن تحويل الحرارة إلى كهرباء داخل المحطات المفاعلات النووية. لا بد من الإشارة ان كل تلك الحوارات بين الأجهزة والروبوتات قد تصل إلى حل العديد منً مشاكل البشر خاصة الصحيةً المستعصية منها وقد يتم اطالة عمر البشر وامور اخرى كثيرة كما في حالة السفر بين النجوم والكواكب. تلك الحوارات بين الأجهزة والالات قد تودي كذلك إلى أنهم سيصنعون بنفسهم اجهزة جديدة أكثر ملائمة و سلمية للبشر وحتى تسهيل السفر بين الكواكب وإيجاد مصادر جديدة للطاقة. لا توجد اي مجال من مجالات الحياة لا يمكن فيها الاستفادة من التطورات المستقبلية في عالم المعلوماتية وحتى الإبداع الأدبي والثقافي. باعتقادي ان لغة البشر في المستقبل ستكون موحدة وسهلة بعيدة عن التعقيد ألقواعدي واللفظي شبيه بلغة الالة ودون وجود اي تشابهك او ترادف في الكلمات وسوء فهم.
قد يتساءل البعض لماذا كل هذا التشاؤم حول المستقبل وماذا عن أنظمة السيطرة الأمنية والمراقبة؟ ان أنظمة السيطرة الحالية عاجزة تماما من السيطرة على ما قد يدور في ذهن الأجهزة الذكية والمتطورة وخاصة حوارهم سيبقى سرا بينهم وخارج سيطرة البشر وحتى عند اتخاذهم القرارات في المستقبل . الأكثر خطرا على بقاء البشرية ومستقبل الكوكب الأرضي هي قرارات الحروب وخاصة باستخدام الأسلحة المتطورة والتي قد تتجاوز قوتها التدميرية ما نعرفه اليوم بالأسلحة النووية وفقدان الشعوب الصغيرة لحريتهم. كل ذلك سؤدي كذلك إلى اختفاء والاستغناء من العديد من المهن المختلفة والاختصاصات ستكون الأجهزة الذكية قد سيطرت بشكل مباشر على جميع أنواع المواصلات الأرضية منها والجوية، الاتصالات، التغذية ، الأدوية، البناء، الإنتاج التقني والتكنولوجي والصناعي و جميع اشكال الإنتاج العسكري والمدني. المستقبل بتفاصيله تصوره خارج الخيال البشري وحتى امهر المخرجين السينمائيين والكتاب لا يستطيعون تخيل ذلك المستقبل القريب.
الأندلس
٢٠٢٦
الاشارات :
هناك وحدات اصغر من النانو تصل إلى درجة مجهرية في الصغر اذ تلي النانو البيكو (pico)، ثم الفيمتو (femto)، وبعدها الأتو (atto)، وهكذا، حيث كل بادئة تمثل جزءاً أصغر بعامل 1000 من سابقتها، فالنانو (10⁻⁹) أصغر من الميكرو (10⁻⁶) ويأتي بعده البيكو (10⁻¹²) والفيمتو (10⁻¹⁵) والأتو (10⁻¹⁸) والمزيد من الوحدات الصغيرة جداً في نظام الوحدات الدولي. *”الخوارزمية” (algorithm) هي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما، وسميت الخوارزمية بهذا الاسم نسبة إلى العالم أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي الذي كان أول من ابتكرها في القرن التاسع الميلادي. تأثير الدومينو هو حالة معروفة وتحصل عندما يبدأ حدث صغير سلسلة من الأحداث ذات عواقب بعيدة المدى. وفي علم الجريمة تسمى نظرية “النافذة المكسورة ” وقد اشتق الاسم من قطع لعبة الدومينو المعروفة. تلك القطع المستطيلة الشكل والصغيرة يمكن وضعها بشكل عمودي متتابع، بحيث عندما تُدفع قطعة، تسقط على القطعة التي تليها، والتي بدورها تسقط على القطعة التي تليها، وهكذا. وتجرى مسابقات بهذا الشأن يبدع فيها المصممون وهذه التراكمية شبيهة كذلك بتدحرج كرة الثلج من المرتفعات حيث تجمع في تدحرجها كل ما يصادفها في طريقها وتتحول في النهاية إلى كرة ضخمة.