القضية الكوردية في الصحافة الإسبانية: ثورة منسية على هامش الجغرافيا (1960–1980)

أ.د.خليل مصطفى عثمان

على امتداد عقدين من الزمن، حضرت القضية الكوردية في الصحافة الإسبانية بوصفها واحدة من أكثر قضايا الشرق الأوسط تعقيدًا وتهميشًا. لم تكن هذه التغطية مركزية أو منتظمة، لكنها شكّلت أرشيفًا مهمًا يعكس كيف نظر الإعلام الأوروبي غير الأنغلوسكسوني إلى شعبٍ بلا دولة، عالق بين الجغرافيا والسياسة الدولية.
في ستينيات القرن العشرين، تعاملت الصحف الإسبانية مع الثورة الكوردية في كوردستان العراق باعتبارها حركة مسلحًة ذا طابع قبلي–جبلي.
ففي عام 1963 نشرت صحيفة ABC تقريرًا تحليليًا بعنوان:

> “Rebelión kurda en el norte de Irak”
(حركة كوردية في،” شمال العراق”_كوردستان العراق)

قدّم التقرير الملا مصطفى البارزاني بوصفه قائدًا كورديا محنّكًا، مع تركيز واضح على الطبيعة الجبلية لكوردستان، بوصفها عاملًا مفسرًا لاستمرار الحركة الكوردية وصعوبة حسمه عسكريًا.

أما صحيفة La Vanguardia، فقد ذهبت أبعد من الوصف الأمني، حين نشرت عام 1966 مقالًا بعنوان:

> “Los kurdos: una minoría nacional sin Estado”
(الكورد: أقلية قومية بلا دولة)
وهو توصيف نادر في تلك المرحلة، إذ أشار المقال صراحة إلى أن المسألة الكوردية ليست اضطرابًا أمنيًا عابرًا، بل قضية قومية مؤجلة منذ الحرب العالمية الأولى.
مع بداية السبعينيات، وخاصة بعد اتفاقية اذار1970 و اعلان الحكم الذاتي للكورد في العراق ، تغيّر الخطاب الصحفي الإسباني. اذ لم يعد الكورد “متمردين”، بل أصبحوا جزءًا من معادلة إقليمية معقّدة.
ونشرت مجلة Triunfo اليسارية عام 1972 تحقيقًا بعنوان:

> “El Kurdistán iraquí entre Bagdad y Teherán”
(كوردستان العراق بين بغداد وطهران)
ربط التحقيق بين الدعم الإيراني–الأمريكي للحركة الكوردية وبين حسابات الحرب الباردة، واصفًا الكورد بأنهم:

> “una minoría instrumentalizada por las grandes potencias”
(أقلية جرى توظيفها من قبل القوى الكبرى)
وهو توصيف تكرر لاحقًا في أكثر من صحيفة إسبانية.

شكّلت اتفاقية الجزائر 1975الموقعة بين العراق و ايران و بمباركة غربية لحظة مفصلية في التغطية الإعلامية الإسبانية. فقد انتقلت القضية الكوردية فجأة من الصفحات الداخلية إلى العناوين البارزة.

فصحيفة La Vanguardia عنونت في 8 آذار 1975:

> “Los kurdos, víctimas del acuerdo entre Irak e Irán”
(الكورد ضحايا الاتفاق بين العراق وإيران)
أما صحيفة ABC فكتبت بلهجة غير معتادة:

> “Una rebelión abandonada por la geopolítica”
(ثورة تخلّت عنها الجغرافيا السياسية)
في حين نشرت مجلة Cambio 16 تقريرًا مطولًا تحت عنوان:

> “El pueblo kurdo: traicionado y silenciado”
(الشعب الكوردي: مخذول ومُسكت عنه)
ركزت هذه التغطيات على الانهيار السريع للمقاومة الكوردية بسبب عدم تكافؤ القوى، والنزوح الجماعي للكورد، وصمت المجتمع الدولي، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها الكورد في الإعلام الإسباني بوصفهم ضحايا سياسة دولية لا فاعلين فيها.
في النصف الثاني من السبعينيات القرن العشرين، ومع انتقال إسبانيا نفسها إلى مرحلة ما بعد فرانكو، بدأ الإعلام الإسباني يولي اهتمامًا أكبر بالبعد الإنساني.
نشرت صحيفة El País عام 1977 تقريرًا بعنوان:

> “Refugiados kurdos: un pueblo sin voz”
(لاجئون كورد: شعب بلا صوت)
قارن التقرير بين معاناة الكورد ومعاناة شعوب أخرى بلا دولة، مثل الفلسطينيين، بل وأشار ضمنيًا إلى تشابه التجربة الكوردية مع قضية الباسك داخل إسبانيا، وهو تشبيه لم يكن ممكنًا قبل سنوات قليلة.
رغم هذا التعاطف النسبي، بقيت التغطية الإسبانية للقضية الكوردية محكومة بمنطق الدولة القومية. فنادرًا ما استُخدم تعبير “أمة”، وغالبًا ما وُصف الكورد بأنهم “أقلية”. كما غاب الصوت الكوردي المباشر، إذ لم تُنشر مقابلات موسّعة مع قيادات كوردية، ولا مقالات رأي موقّعة بأقلام كوردية.
تكشف العودة إلى أرشيف الصحافة الإسبانية (1960–1980) أن القضية الكوردية كانت:
حاضرة كقضية إنسانية وسياسية مهمّشة
مفهومة أوروبيًا بوصفها نتاجًا للتوازنات الدولية
مؤشرًا مبكرًا على وعي أوروبي ناقص بحقوق الشعوب بلا دولة
وهو ما يجعل هذا الأرشيف اليوم وثيقة تاريخية أساسية لفهم تطور النظرة الأوروبية إلى الكورد، قبل الأنفال، وقبل حروب الخليج، وقبل تحوّل القضية إلى ملف دولي واسع.

قد يعجبك ايضا