إعداد ـ التآخي
ان أي نظام سياسي يستمد استمراره من قبول شعبي (أو في الأقل خضوع صامت)، وعندما يخرج الناس للشارع محتجين، فإنهم يعلنون انتهاء هذا القبول، مما يجعل النظام “عاريا” أمام المجتمع الدولي ومؤسساته الداخلية. والحركات الشعبية ليست مجرد تجمعات صاخبة، بل هي أدوات ضغط هائلة قادرة على إعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.
وفي خضم الاحتجاجات تلجأ الأنظمة المستبدة عادة الى المباشرة منذ الأيام الأولى لانطلاقها بمحاولة القضاء عليها باستعمال العنف المباشر لوأدها في مهدها، حتى إذا تطلب الامر إيقاع ضحايا جماعية باستخدام أجهزة الشرطة والجيش، كما تلجأ في العصر الحديث الى حجب شبكة “الانترنت” وتنشيط ما يسمى بالذباب الالكتروني للإساءة الى المحتجين وتلويث سمعتهم، كما يلجأ المتظاهرون بدورهم الى محاولة التغلب على ذلك باستعمال شتى الطرق التي تعينهم على كسر الحصار الحكومي وادامة زخم الاحتجاجات تمهيدا لإحداث التغيير المطلوب.

كما بات التضامن والدعم الدولي يأخذ حيزا كبيرا في رفد المتظاهرين بالمساندة وإيقاف اعمال القمع والقتل والاعتقال بحقهم في اقل تقدير؛ وكل ذلك بفعل تواصل الارتباط بين الدول والبلدان بتأثير التقدم العلمي وانتشار شبكات الانترنت التي تظهر أي حدث أولا بأول، وهو ما حرصت الحكومات الاستبدادية على تعطيله لمنع وصول اخبار الاحتجاجات الى الرأي العام العالمي والى الدول الأخرى كي يتسنى لها تنفيذ عمليات القمع بصمت ومن دون محاسبة.
وتعتمد الحركات الشعبية في تغيير الحكومات على عدة آليات استراتيجية، أهمها، في الإضرابات العامة والعصيان المدني، اذ تتوقف العجلة الاقتصادية والإدارية، مما يضع النظام في مأزق حقيقي لفشله في إدارة شؤون البلاد اليومية.
والضغط الشعبي المستمر والمسيطر يضع قوات الجيش والشرطة أمام خيار صعب: إما قمع الشعب (وهو ما قد يؤدي لانشقاقات داخلية) أو الانحياز لمطالب الناس، وتضع التظاهرات الحاشدة النظام تحت مجهر القوى العالمية والمنظمات الدولية، مما يقلص من خيارات القمع العنيف خوفا من العقوبات أو العزلة.
لقد أثبت التاريخ في عديد الاحداث، أن “إرادة الشعوب” هي المحرك الأساسي للتغيير الجذري، والثورة الفرنسية (1789) تعد الانموذج الأمثل لقوة الجماهير. بدأت باحتجاجات على الأوضاع المعيشية والضرائب، وانتهت بسقوط “سجن الباستيل” الذي كان رمزا للاستبداد. لم تغير الثورة الحكومة فحسب، بل أسقطت الملكية المطلقة وغيرت وجه التاريخ الأوروبي والعالمي بترسيخ مفاهيم “الحرية والإخاء والمساواة“.
وثورة “قوة الشعب” في الفلبين (1986) تعرف بـ “ثورة الورد”، حيث خرج ملايين الفلبينيين في تظاهرات سلمية ضد حكم “فرديناند ماركوس” الاستبدادي بعد تزوير الانتخابات؛ المثير هنا هو انضمام قادة من الجيش للمتظاهرين، مما أجبر ماركوس على الرحيل من دون إراقة دماء تذكر، وهو ما يسمى بـ “الانتقال السلمي للسلطة“.

وسقوط جدار برلين وتفكك الكتلة الشرقية (1989)لم يسقط ما يسمى الأنظمة الشاملة في أوروبا الشرقية بقرار عسكري، بل بضغط التظاهرات الضخمة في لايبزيغ (ألمانيا الشرقية) وبراغ (تشيكوسلوفاكيا – الثورة المخملية) وفي بولندا ورومانيا. كانت هذه التحركات الشعبية صرخة ضد القهر والجمود الاقتصادي، وأدت لانهيار أنظمة صلبة في غضون أشهر.
وابان الربيع العربي (2011) رأينا في تونس ومصر كيف أدت التظاهرات الحاشدة في الميادين (مثل ميدان التحرير) إلى تنحي رؤساء حكموا لعقود (زين العابدين بن علي وحسني مبارك) وكذلك معمر القذافي في ليبيا؛ القوة هنا كانت في “العفوية” واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي للتنظيم، مما فاجأ الأجهزة الأمنية.
وطبعا، ليس كل حراك شعبي ينتهي بالنجاح؛ فهناك عوامل حاسمة مثل وحدة الهدف، ووضوح المطالب يمنع تشتت الحراك و سلمية التحرك، فغالبا ما تنجح الحركات السلمية في كسب تعاطف الجيش والمجتمع الدولي أكثر من الحركات المسلحة، وكذلك تواجد قيادة أو نخب قادرة على ملء الفراغ بعد سقوط النظام يمنع انزلاق البلاد إلى الفوضى.
التاريخ يعلمنا أن إسقاط النظام هو “البداية” فقط، أما التحدي الحقيقي فهو بناء نظام ديمقراطي مستقر يحقق تطلعات الناس التي خرجوا من أجلها.
التحول من الاستراتيجيات التقليدية إلى الحديثة
قديما، كان التنظيم يعتمد على اللقاءات السرية، المنشورات الورقية المطبوعة، والخطب في المساكن أو دور العبادة. كانت عملية الحشد تستغرق أسابيع أو شهورا لجمع بضعة آلاف.
حديثا: يجري التحشيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المشفرة مثل واتساب، تلغرام، أو فيسبوك وانستغرام ومنصة X وكثير غيرها، و يمكن لدعوة واحدة أن تحشد مئات الآلاف في غضون ساعات، من ذلك ان “الوسم” (Hashtag) أصبح بمنزلة غرفة عمليات مركزية عالمية، اذ يستعمل لجمع المحتوى المتعلق بالموضوع نفسه في مكان واحد، مما يسهل على المستخدمين البحث عنه وتتبعه.
قديما كانت الحركات غالبا ما تلتف حول قائد “كاريزمي” أو “مجلس ثورة” واضح المعالم، كان النظام يسهل عليه إجهاض الحركة عبر اعتقال أو اغتيال هؤلاء القادة، فيما تظهر الحركات الحديثة غالبا كـ “حركات بلا رأس”. لا يتواجد قائد واحد يسهل استهدافه، بل هي مجموعات شبابية وتنسيقيات متنوعة؛ هذا النوع يصعب على الأنظمة التفاوض معه أو ضربه في مقتل، مثل حركات “احتلوا وال ستريت” أو “السترات الصفر”، او التظاهرات الواسعة في العراق عام 2019 التي اسقطت الحكومة.
قديما: كان التركيز على السيطرة المادية على مراكز القوة (القصر الرئاسي، مبنى الإذاعة والتلفزيون، البرلمان). السقوط المادي لهذه المباني يعني سقوط النظام، حديثا، أصبحت هناك “ساحة معركة افتراضية”، لا تكتفي الشعوب بالتواجد في الميادين، بل تشن هجمات إلكترونية، وتنشر الفيديوهات لتوثيق الانتهاكات لحظة بلحظة، مما يحرج النظام أمام العالم. “الصورة” أصبحت أقوى من الرصاصة في تغيير الرأي العام الدولي.
قديما، جرى الاعتماد الكبير على الإضرابات العمالية الشاملة والمتاريس في الشوارع لقطع طرق الإمداد، حديثا، ظهور تكتيكات “كن كالماء (Be Water) “، التي استعملت في احتجاجات هونج كونج؛ وهي التجمع السريع ثم التفرق والاختفاء قبل وصول الأمن، ثم التجمع في مكان آخر، كما برزت أدوات “العصيان المدني الرقمي” ومقاطعة المنتجات والشركات التابعة للنظام عبر حملات إلكترونية منظمة.
وفي مواجهة التغطية الإعلامية التي يتحكم فيها النظام (إعلام رسمي)، تبرز “صحافة المواطن” (البث المباشر بالهواتف)،
والرد الأمني يتمثل في المواجهة المباشرة والقمع الجسدي + حجب الإنترنت والمراقبة الرقمية؛ وغالبا ما تلاقي الاحتجاجات دعما عالميا (تضامن عابر للحدود عبر الهاشتاجات).
وبرغم سرعة التحركات الشعبية الحديثة، إلا أنها تعاني أحيانا من “هشاشة النفس الطويل”؛ فبسبب غياب القيادة الموحدة، قد يصعب على المتظاهرين الجلوس على طاولة المفاوضات لتقديم بديل سياسي جاهز، مما قد يؤدي أحيانا إلى فوضى أو عودة قوى منظمة قديمة للسيطرة على المشهد (مثل الثورات المضادة).
وكما تطورت أدوات الشعوب، طورت الأنظمة أيضا “ترسانة” مضادة ليست عسكرية بالضرورة، بل رقمية ونفسية وقانونية. هذا الصراع يوصف اليوم بـ “سباق التسلح الرقمي” بين السلطة والشارع.
ولم تعد الأنظمة تكتفي بمصادرة الصحف، بل أصبحت تلجأ لما يسمى بـ “المفتاح السحري”، أي الإظلام التام بقطع خدمة الإنترنت عن الدولة أو مناطق معينة لشل التنسيق بين المتظاهرين ومنع خروج صور القمع للعالم، وكذلك إبطاء سرعة الإنترنت لدرجة تجعل رفع الفيديوهات أو البث المباشر مستحيلا، مع إبقاء الخدمات الأساسية كي لا يتضرر الاقتصاد كليا، ويجري حجب المنصات باستهداف تطبيقات بعينها (مثل واتساب، تلغرام، أو فيسبوك) لأنها المحرك الأساس للتجمعات.
وتؤدي الجيوش الإلكترونية (الذباب الإلكتروني) دورا في مواجهة الشعب و هذه واحدة من أخطر الأدوات الحديثة، وتعتمد على “حرب المعلومات” بدلا من الرصاص بصناعة رأي عام وهمي: استخدام آلاف الحسابات الوهمية لنشر وسوم تدعم النظام، لإعطاء انطباع بأن الغالبية ضد التظاهرات، كما تجري مهاجمة قادة الحراك أو المؤثرين إلكترونيا، ونشر إشاعات عن حياتهم الشخصية أو عمالتهم لجهات خارجية ليفقدوا مصداقيتهم أمام الشارع، والقيام بعمليات اغتيال وتصفية واعتقال لهم وبث اليأس والتخوين، وكذلك إغراق الصفحات التابعة للمتظاهرين برسائل محبطة أو أخبار كاذبة عن فشل الحراك، لإحداث انشقاقات داخلية.
ويجري استغلال تقنيات “التعرف على الوجوه” في الشوارع لتحديد هوية المشاركين في التظاهرات حتى لو كانوا ملثمين أحيانا، واعتقالهم لاحقا من منازلهم بدلا من الاشتباك معهم في الميدان ومراقبة أبراج الاتصالات لمعرفة الهواتف التي تواجدت في موقع التظاهر، مما يسهل حصر قوائم المشاركين.

وبدلا من استخدام قوانين الطوارئ التقليدية التي تثير انتقادا دوليا، لجأت الأنظمة لتشريعات حديثة: سن قوانين تحت مسمى “مكافحة الشائعات” أو “الجرائم الإلكترونية”، تستعمل لتجريم أي منشور على فيسبوك أو منصة X يدعو للتظاهر بصفته “تهديدا للسلم الأهلي” أو “نشر أخبار كاذبة“.
تدرك الأنظمة الحديثة أن الحركات الشعبية “العفوية” (بلا قيادة) تعتمد على الحماس اللحظي، فتعمد إلى المماطلة بتقديم وعود بإصلاحات جزئية أو تغيير وجوه ثانوية في الحكومة لامتصاص الغضب، مراهنة على أن الناس ستتعب من البقاء في الشوارع مع مرور الوقت وبرودة الطقس أو الضغوط المعيشية.
وبرغم قوة هذه الأدوات، إلا أنها أحيانا تعطي نتائج عكسية. فعلى سبيل المثال، قطع الإنترنت قد يدفع الناس للخروج للشارع لاستطلاع ما يحدث، مما يزيد من أعداد المتظاهرين بدلا من تقليلهم، كما أن القمع الرقمي الزائد يولد ابتكارات شعبية مضادة، مثل استعمال الـ VPN أو شبكات التواصل المحلية البديلة.
أساليب المحتجين في التغلب على القمع
نحن نعيش في عصر “السيادة الرقمية”، اذ لم يعد الصراع على من يملك الدبابة الأقوى فقط، بل على من يسيطر على “الرواية ” (Narrative) ويتحكم في تدفق المعلومات، وحين تبتكر الأنظمة وسائل للقمع الرقمي، تولد من رحم الحاجة ابتكارات شعبية مذهلة تعتمد على “الذكاء الجماعي“.
وفي العصر الحديث تنشط محاولات الالتفاف على محاولات الخنق الرقمي والمراقبة، من ذلك مواجهة “الإظلام الرقمي” (تكتيكات التواصل من دون إنترنت)، فعندما يجري قطع الإنترنت، يلجأ المتظاهرون لتقنيات تعيدهم إلى ما قبل عصر الشبكة المركزية.
استعمل متظاهرو هونج كونج تطبيق Bridgefy، وهو يعتمد على تقنية البلوتوث لربط الهواتف ببعضها مباشرة من دون الحاجة لإنترنت، كل هاتف يعمل كـ “جسر” يوصل الرسالة للهاتف الذي يليه، مما يخلق شبكة تواصل محلية ضخمة يصعب على السلطات قطعها.
وكذلك جرى استعمال الخرائط غير المتصلة Offline Maps بتحميل خرائط المدن مسبقا، مثل تطبيق MAPS.ME، ويقوم المتظاهرون بتحديد نقاط التجمع ومخارج الطوارئ ومواقع الإسعاف عليها ومشاركتها عبر “البلوتوث” أو “الآيردروب” (AirDrop) في الساحات. وفي بعض الحالات، جرى استعمال محطات راديو مجتمعية صغيرة أو استقبال المعلومات عبر الأقمار الصناعية لتلقي التوجيهات من الخارج وتوزيعها محليا.
في هونج كونج، التي تعد من أكثر مدن العالم مراقبة بالكاميرات، ابتكر الشباب أساليب مدهشة لهزيمة كاميرات التعرف على الوجوه، المتظاهرون استعملوا أقلام الليزر الصغيرة لتوجيهها نحو عدسات الكاميرات الأمنية، مما يؤدي إلى “إعماء” الحساسات الرقمية للكاميرا ومنعها من التقاط ملامح الوجوه.
ولم تكن المظلات للحماية من المطر أو الغاز فقط، بل استعملت كـ “ترس” بصري يخفي هوية المتظاهرين وتحركاتهم عن طائرات الدرون وكاميرات المراقبة المرتفعة.
كما يتوقف المتظاهرون عن استخدام بطاقات المترو أو الدفع الإلكتروني التي ترتبط بهوياتهم، ولجأوا لاستخدام العملات النقدية فقط لضمان عدم تتبع حركة تنقلهم جغرافيا.
وتعد تجربة السودان (2019 وما بعدها) من أرقى نماذج التنظيم الشعبي الذي هزم قطع الإنترنت، فبدلا من الاعتماد على “فيسبوك” فقط، جرى تشكيل “لجان مقاومة” في كل حي سكني، هذه اللجان كانت تجتمع وجها لوجه، وتوزع المهام (تأمين، طبابة، إعلام) عبر قصاصات ورقية أو التواصل المباشر.
عندما قُطع الإنترنت، كان يجري نقل المعلومات والبيانات السياسية عبر أشخاص يتنقلون بين الأحياء أو يسافرون بين المدن لنقل التوجيهات، مما جعل الحراك محصنا ضد التعتيم الرقمي.
في دول مثل إيران ولبنان ومصر، بمجرد حجب منصة معينة، تنتشر روابط تطبيقات الـ VPN (الشبكات الخاصة الافتراضية) كالنار في الهشيم، يقوم المتظاهرون بإنشاء “خوادم بروكسي” (Proxy) متطوعة من خارج البلاد للسماح لمن بالداخل بتجاوز الرقابة الحكومية والوصول إلى العالم الخارجي.
وتعلم المتظاهرون تصوير الانتهاكات وتخزينها بتشفير عالٍ على الهواتف، ثم انتظار أي فرصة اتصال (ولو لثوانٍ) لرفعها. وفي حالات أخرى، يجري تهريب وحدات تخزين (USB) الى خارج البلاد لنشر ما حدث، مما يكسر رواية النظام الرسمية.
الخلاصة، إن نجاح الحركات الشعبية الحديثة لا يعتمد على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على القدرة على التكيف. القاعدة الذهبية التي أثبتتها هذه الوقائع هي، “كلما زاد النظام من تعقيد أدوات قمعة، زاد الشعب من ابتكار أدوات صموده، وفي النهاية، القوة البشرية المنظمة على الأرض هي التي تحسم الصراع، وليست الشاشات.”