هولير: معنى الاستقرار في زمن الاضطراب

أحمد زبير باني

في الجغرافيا السياسية، ثمة مدن تُعرَف بمحطات عبور، وأخرى تُصنَّف بوصفها مراكز قرار. وفي زمنٍ تتآكل فيه اليقينيات وتضطرب فيه المعادلات الإقليمية، تفرض هولير (أربيل) نفسها مركزَ ثقلٍ استراتيجيًا في الملف السوري، متجاوزةً دور الوسيط التقليدي، لتغدو مساحةً ضامنة لرؤية واقعية تسعى إلى إنهاء أكثر من عقدٍ من التيه السوري.

قيادة برؤية هادئة
يقف خلف هذا التحول نهجٌ سياسي يقوده الرئيس مسعود بارزاني، الذي راكم خبرةً طويلة في إدارة الأزمات والتحولات. وتنطلق هذه الرؤية من معادلة واضحة مفادها أن استقرار أربيل لا ينفصل عن استقرار دمشق والقامشلي، وأن السلام المستدام لا يُبنى بالوكالة، بل عبر التزام مباشر ومسؤول.

ينظر كثير من السوريين، على اختلاف انتماءاتهم، إلى بارزاني بوصفه مرجعيةً سياسية تتعامل مع القضايا بميزان الحكمة لا بمنطق المغالبة. فهو لا يطرح حلولًا جاهزة أو مستوردة، بل مقاربات نابعة من فهمٍ عميق لتركيبة المجتمع المتعدد في المنطقة، ومن قناعةٍ راسخة بأن كرامة الإنسان تشكّل جوهر أي مشروع سياسي قابل للحياة.

هولير: نموذج لا منصة فقط
ما يميّز حراك هولير تجاه سوريا أنه لا يقتصر على استضافة اللقاءات، بل يقدّم نموذجًا عمليًا قابلًا للاستلهام. فالأطراف السورية التي تجتمع في أربيل لا تناقش نظرياتٍ مجرّدة، بل تعاين تجربة كوردستان حيّة أمامها، ولا سيما في:
• إدارة التعددية: تحويل التنوع الديني والعرقي إلى مصدر قوة واستقرار.
• مسارات البناء: تحويل الأزمات إلى فرص، والدمار إلى بنى تعليمية واقتصادية فاعلة.

إن هذا النموذج لا يُقدَّم بوصفه وصفة جاهزة، بل باعتباره دليلًا على أن الإرادة السياسية الهادئة، حين تقترن بالقرار المستقل، قادرة على تحويل الجغرافيا من عبءٍ تاريخي إلى رافعة للاستقرار.

ملامح «سوريا الممكنة»
ترتكز الرؤية التي تتبلور في لقاءات هولير على ثلاث ركائز أساسية:
1. وحدة المصير لا الإكراه: بناء دولة سورية تحترم خصوصيات مكوناتها، وتستمد قوتها من الشراكة لا من الهيمنة.
2. تصفير الأزمات: تحقيق توازن واقعي بين المطالب المحلية والتعقيدات الإقليمية بما يضمن استقرارًا طويل الأمد.
3. الديمقراطية التشاركية: القائمة على عدم إقصاء أي طرف عن مائدة القرار، انطلاقًا من قناعة مفادها أن السلام لا يكتمل بغياب أحد.

خاتمة: حين يصبح القرب ميزة سياسية
أثبتت التجربة أن المسارات الدولية الكبرى، كجنيف وأستانا، اصطدمت مرارًا بجمود الحسابات الدولية وبثقل البيروقراطية العابرة للقارات. في المقابل، يتميّز «مسار هولير» بقربه الجغرافي، وصدقه السياسي، وانتمائه الوجداني للمنطقة.

وهكذا، باتت أربيل، تحت قيادة الرئيس مسعود بارزاني، مساحةً عقلانية لصياغة سلامٍ واقعي لا يدّعي الكمال، لكنه يملك ما هو أثمن: الفهم، والتوازن، والقدرة على تحويل الاضطراب إلى فرصة. ومن هنا، قد لا تكون هولير مجرد مدينة في معادلة إقليمية معقّدة، بل معنىً للاستقرار في زمنٍ ندر فيه الاستقرار

قد يعجبك ايضا