الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
ليس من المبالغة القول إن الملف الكوردي في سوريا وصل اليوم إلى لحظة اختبار تاريخية، لحظة تُفرَز فيها الخيارات بين منطق الدولة العادلة ومنطق الإقصاء، وبين سياسة الحقوق وسياسة البنادق. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبرز الدور البارزاني بوصفه أحد أكثر الأدوار السياسية اتزانًا وتأثيرًا في الدفاع عن حقوق كورد سوريا ضمن إطار وطني جامع.
لقد عانى الكورد في سوريا لعقود طويلة من سياسات ممنهجة هدفت إلى نزع الهوية قبل نزع الحقوق، بدءًا من إسقاط الجنسية، مرورًا بتجريم اللغة الكوردية، وصولًا إلى تهميش الوجود السياسي والاجتماعي. لذلك فإن القرار القاضي بمنح الجنسية الكورد، والاعتراف باللغة الكوردية لغةً رسمية، واعتماد عيد النوروز عطلة رسمية، لا يُعد إجراءً إداريًا عاديًا، بل تحولًا سياسيًا جوهريًا ينهي واحدة من أكثر صفحات التمييز سوادًا في تاريخ الدولة السورية.
غير أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق ضغط سياسي عقلاني وحراك دبلوماسي إقليمي، كان لإقليم كوردستان العراق وقيادته، وفي مقدمتهم الزعيم مسعود بارزاني والرئيس نيجرفان بارزاني، دور واضح في الدفع باتجاهه، عبر خطاب ثابت يربط الحقوق الكوردية بوحدة سوريا، لا بتفكيكها.
لقد مثّل لقاء الرئيس نيجرفان بارزاني مع الرئيس السوري أحمد الشرع رسالة سياسية مزدوجة:
رسالة رفض صريح للمعارك العبثية التي شهدتها مناطق شرق حلب بين قوات قسد والقوات الحكومية، والتي خلّفت ضحايا وتهجيرًا لا يخدم إلا مشاريع الفوضى، ورسالة تأكيد على أن الحل
السياسي القائم على الاعتراف المتبادل هو الطريق الوحيد للاستقرار.
كما أن استقبال أربيل لقائد قوات قسد ولقاءه الزعيم مسعود بارزاني لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشرًا على ثقة القوى الفاعلة بالدور البارزاني كـ ضامن سياسي وأخلاقي، قادر على تهدئة النزاعات، وإعادة بوصلة الصراع من السلاح إلى الحوار.
إن جوهر الرؤية البارزانية في سوريا يقوم على معادلة لا تقبل الالتباس:
لا حقوق بلا دولة، ولا دولة بلا حقوق.
فالكورد ليسوا حالة طارئة في الجغرافيا السورية، بل مكوّن أصيل، واستقرار سوريا يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة، لا القفز فوقها.
سياسيًا، فإن إقصاء الكورد أثبت فشله، كما أن عسكرة القضية لم تنتج سوى المزيد من الدم والتهجير. أما المقاربة التي يدافع عنها الدور البارزاني، فهي مقاربة الدولة الجامعة التي تضع الحقوق القومية في إطار وطني، وتحول التنوع من عبء أمني إلى مصدر قوة سياسية.
إن سوريا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما تثبيت هذا المسار العقلاني والبناء عليه،
أو السماح لقوى داخلية وخارجية بإعادة إنتاج الصراع، وإرجاع البلاد إلى نقطة الصفر.
وختامًا، فإن الدفاع عن حقوق كورد سوريا لم يكن يومًا مشروعًا انفصاليًا في الفكر البارزاني، بل كان دائمًا مشروع استقرار، شراكة، وكرامة إنسانية.
ومن دون هذا الفهم، لن تكون هناك سوريا آمنة، ولا وحدة وطنية قابلة للحياة.