سمير السوره ميري
القضية المصيرية ليست أفعالا انفعالية عابرة،
بل هي شأن وجودي يمس جوهر وعي الإنسان في دفاعه عن هويته وذاته، ليست شعارا يرفع، بل واقعا حيا يمس كرامته في أرضه، ويختزن كامل تاريخه، ومن هنا يصبح الدفاع عنها دفاعا عن الحياة ذاتها، إذ إن دفاع الذي لا يقوم على إدراك التاريخي و المعرفي العميق يتحول إلى صخب عابر غير مؤثر.
ويأتي الوعي الحقيقي طرح سؤال: من نحن؟ وماذا نريد؟ ويسبق ذلك سؤال الإدراك الجوهري: لماذا ؟، هنا يتمايز الفكر الفلسفي بين دفاعٍ غريزي عاطفي يزول بزوال الضغط، ودفاعٍ واعٍ أخلاقي طويل الأمد، لا يمارس كأداة إنتقام، بل يقوم على إدراك العدالة بوصفها قيمة إنسانية وأخلاقية، لا مجرد صراع مصالح ضيقة، إن الصراع هنا يكون بين الكلمة بوصفها مصيرا، أو الصمت بوصفة النجاة مؤقتة، وهي لحظة الإختيار الحاسمة بين ” أن أكون أو لا أكون”. (ويليام شكسبير)
الدفاع الواعي مسار فكري وأخلاقي، يبدأ بتشخيص القضية في جوهرها، وتثبيت شرعيتها عبر روايتها الصادقة، وصدق حامليها في تحمّل مسؤوليتها بوصفها قضية مصيرية يحملونها على عاتقهم دون بخل أو مساومة، كما يقتضي هذا الدفاع أن تشمل القضية جغرافيتها كاملة دون تجزئة، لأن تجزئتها ليست سوى إختيار ضيق لنجاة مؤقتة.
القضية في جوهرها، وعي جماعي مشترك يخص جميع الفئات، إذ إن غياب الحامل الشعبي يحولها إلى قضية نخبوية معزولة، والصراع لا يدار بعيدا عن الحكمة، بل بالحكمة يدار، إن وضوح الهدف الإنساني العام هو ما يمنحها شرعية الإستمرار عبر الأجيال، وينشط الذاكرة الجمعية لحمايتها من الطمس ، بدل اِختزالها في مفردات جزئية ضيقة تفضي إلى نسيان.
ومن الوسائل النضال الأساسية بناء سردية عقلانية مؤثرة وغير مفتعلة، تخاطب الضمير العالمي، لتسلك مسارها الشرعي والقانوني عبر القوانين الدولية، ومواثيق حقوق الإنسان والإتفاقيات الإنسانية العالمية، كما يتطلب صياغة القضية بلغة عالمية، وتوثيق الوقائع بجميع الوسائل المؤثرة، وبناء تحالفات قوية مع منظمات حقوق الإنسان والناشطين الدوليين، وهو دور محوري يقع على عاتق المثقفين والأكاديمين لما له من أثر في اِستمرارية القضية.
إن الإبتعاد عن خطاب الكراهية حكمة قيادية يتحلى بها القادة الكبار، وينبغي أن تتحول إلى أوسمة أخلاقية تُزيّن صدور جميع المناضلين من أجل القضية، فهي رسالة إنسانية بالغة التأثير في الضمير العالمي تُرفع شعارا، وتقاس بالفعل اللا إنساني المقابل، عبر كشف ممارساته اللاأخلاقية، وهذا كفيل بكسب الضمير الإنساني الحي.
أما الإنجازات البسيطة والضيّقة، فليست سوى حالة تراخٍ تصيب الإدراك والوعي، وتلهي القضية عن مساراتها الحقيقية، وسرعان ماتفقد زخمها، فكلما اتسعت حدود القضية واتسع أُفقها، ازدادت فرص استمرارية الإنجازات، وصولا إلى حتمية كسبها، والإستمرار في مواكبة التقدم الحضاري.