الكرد بين حق اللغة وازدواجية المعايير

محمد عمر عثمان كركوكي

منذ قرون، ظلّت الشعوب المسلمة متنوّعة في لغاتها وثقافاتها، ولم يُطلب من أيٍّ منها أن تتخلى عن لغتها الأم لصالح العربية. الفرس حافظوا على الفارسية، والترك على التركية، والبنغال على البنغالية، والبشتون على البشتونية، وكلها لغات حيّة تُدرّس وتُكتب وتُنتج الأدب والفن والإعلام. لم يُكفَّر أحد منهم، ولم يُضطهد لأنه أراد أن يقرأ بلغته أو أن يحكم مناطقه بلغته.

لكن حين يتعلّق الأمر بالكرد، تُطرح أسئلة غريبة، ويُفرض عليهم ما لم يُفرض على غيرهم: لماذا تريدون أن تكون لكم دولة؟ لماذا تريدون أن تحكموا مناطقكم؟ لماذا تريدون أن تكتبوا وتتعلموا بلغ تكم؟ وكأن حق الكرد في لغتهم ووجودهم السياسي والثقافي جريمة تستحق التكفير والاضطهاد.

ازدواجية المعايير
المفارقة واضحة: الشعوب الأخرى لم تُسلب حقها في لغتها أو في إدارة شؤونها، بينما يُطلب من الكرد أن يتخلوا عن كل ذلك بحجة “الوحدة” أو “الدين”. هذه ازدواجية معايير لا يمكن تبريرها، لأنها تضع الكرد في موقع استثنائي سلبي، وكأنهم وحدهم مطالبون بالتنازل عن هويتهم.

اللغة كحق وجودي
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي هوية وذاكرة ووجدان. حين يُمنع الكردي من لغته، يُمنع من ذاته، ويُقطع عن جذوره. لذلك فإن المطالبة بحق التعليم والإعلام والفن باللغة الكردية ليست ترفاً، بل هي حق وجودي لا ينفصل عن كرامة الإنسان.

الحكم الذاتي والعدالة
الكرد، مثل غيرهم من الشعوب، يطالبون بحقهم في إدارة مناطقهم، سواء عبر دولة مستقلة أو عبر حكم ذاتي ضمن إطار الدول القائمة. هذا الحق ليس تهديداً للوحدة، بل ضمانٌ للعدالة والاستقرار. فالشعوب التي تُحرم من حقوقها تتحول إلى بؤر احتجاج دائم، بينما الشعوب التي تُعطى حقها تصبح جزءاً فاعلاً في بناء الدولة.

الخاتمة
القضية الكردية ليست قضية انفصال بقدر ما هي قضية عدالة واعتراف. الكرد لا يطلبون أكثر مما حصلت عليه شعوب أخرى: لغة تُحترم، ثقافة تُصان، وحق في تقرير المصير أو على الأقل في إدارة شؤونهم. إن استمرار حرمانهم من هذه الحقوق هو استمرار لسياسة الإقصاء التي لا تجلب سوى مزيد من التوتر.

الكرد، مثل كل الشعوب، يستحقون أن يُعاملوا بميزان واحد، لا بميزان مزدوج. فالرحمة والعدالة لا تعرف استثناءات، والحرية لا تُجزّأ.

قد يعجبك ايضا