حسو هورمي
في عالمنا المعاصر، حيث تتشابك القضايا وتتداخل المآسي، يبرز كتاب «وجهاً لوجه مع داعش» للكاتب مراد سليمان علو بوصفه عملاً أدبيًا توثيقيًا بالغ الأهمية، يسلّط الضوء على واحدة من أقسى التجارب الإنسانية في العصر الحديث. يقدم الكتاب شهادة حيّة عن الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم «داعش» ضد الإيزيديين عام 2014، مستندًا إلى تجربة شخصية عاشها الكاتب لحظةً بلحظة خلال الهجوم على مناطق سنجار.

البطاقة التعريفية للكتاب
• الكتاب: وجهاً لوجه مع داعش – الفرمان الرابع والسبعون
• المؤلف: مراد سليمان علو
• النوع: مذكرات/سيرة ذاتية توثيقية
• الطبعة: الأولى 2025
• عدد الصفحات:150 صفحة من الحجم المتوسط
• دار لينا للنشر والتوزيع – العراق – نينوى – سنجار
شهادة إنسانية مأساوية بين السيرة الذاتية والتاريخ
يعرض الكتاب رؤية إنسانية موجعة لما خلّفته ممارسات تنظيم داعش من دمار نفسي وجسدي واجتماعي، لا سيما داخل المجتمع الإيزيدي. وتتجسد هذه الرؤية في أسلوب سردي مؤثر يزاوج بين المشاهد الواقعية المباشرة والحكايات الشخصية الحميمة، فيجد القارئ نفسه شريكًا في المعاناة، يعيش تفاصيلها الدقيقة: من صوت الرصاصة الأولى فجر الثالث من آب/أغسطس 2014، إلى رحلة الهروب المروعة نحو الجبل، وما رافقها من عطش وجوع تحت شمس آب اللاهبة.
يجمع الكتاب بين كونه مذكرات شخصية ووثيقة تاريخية، إذ ينسج الكاتب بخيطٍ سردي متماسك تفاصيل تجربته الذاتية وتجارب عائلته ومجتمعه خلال الهجوم والفرار والنزوح. ويبرز العمل كسجل يجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق الدقيق، مسلطًا الضوء على المقاومة البطولية التي أبداها سكان قرية «سيباي»، والتي تجلت في شجاعة الشهيد خدر خاتونا ورفاقه الذين صمدوا حتى آخر رصاصة.
كما يوثق الكتاب مأساة النزوح الجماعي إلى جبل سنجار، حيث واجه النازحون مشاهد قاسية من موت الأطفال وكبار السن بسبب العطش والجوع والإرهاق. ويستعرض رحلة الموت الشاقة عبر الجبل وصولًا إلى مزار شرفدين، ثم الانتقال إلى كوردستان، قبل أن تنتهي الرحلة بالهجرة إلى ألمانيا. بذلك، يتحول الكتاب إلى شاهد صادق على مرحلة مأساوية محفورة في الذاكرة الإنسانية.
رسالة نقدية تتجاوز سرد المأساة
لا يكتفي الكاتب بسرد الوقائع أو بإدانة تنظيم داعش وحده، بل يتجاوز ذلك إلى نقد ذاتي ومجتمعي جريء. فهو يطرح مفهوم «الدعشنة» بوصفه سلوكًا وفكرًا يمكن أن يتسلل إلى داخل المجتمع نفسه، حتى بين بعض الإيزيديين والمسؤولين. يقول الكاتب: «رأيتهم في كل مكان وإن اختلفت الهيئة والوجوه»، في إشارة إلى الموظفين الذين يستغلون معاناة النازحين، وزعماء العشائر الذين يساومون على أصوات عشائرهم، ورجال الدين الذين ابتعدوا عن هموم الناس وآلامهم.
أسلوب أدبي مشحون بالصدق والعاطفة
تتسم لغة الكاتب بالقوة والصدق والجرأة، لغة خالية من الزخرف، لكنها مشبعة بالعاطفة والتأثير. بأسلوبه المباشر، ينقل القارئ إلى قلب الحدث، ليشعر بالخوف والرهبة، وأحيانًا ببصيص أمل ينبثق من تحت ركام المآسي. كما تضفي عناوين الفصول ذات الطابع العاطفي، مثل: «نظرات مايا»، و«مكالمة لم يُردّ عليها»، و«صديقي المجنون»، بُعدًا إنسانيًا عميقًا يجعل القارئ أكثر قربًا من التجربة وأكثر تفاعلًا مع تفاصيلها.
القضايا الرئيسية في الكتاب
يتناول الكتاب قضايا محورية تتعلق بمأساة الإيزيديين، منتقلًا من الوصف الدقيق إلى التحليل العميق. ويركز بشكل خاص على الإبادة الجماعية التي تعرض لها هذا المكون، حيث قُتل الآلاف وسُبيت النساء وهُجّرت العائلات، مع ذكر أرقام وإحصاءات صادمة تعكس حجم الكارثة. وفي المقابل، يبرز قصص المقاومة والتضحية، مشيدًا ببطولات فردية وجماعية لأهالي القرى الذين دافعوا عن أرضهم بإمكانات بسيطة ولكن بشجاعة استثنائية.
وفي سياق آخر، يقدم الكاتب نقدًا اجتماعيًا صريحًا للمجتمع الإيزيدي، متناولًا ظواهر الانتهازية والانقسام الداخلي، وسلوكيات يراها امتدادًا لذهنية «الدعشنة» في استغلال معاناة الناس. ومن خلال هذا النقد، يسعى إلى فتح باب المراجعة والمساءلة كخطوة أولى نحو إعادة بناء المجتمع.
رؤية نحو المستقبل
في فصوله الأخيرة، ينتقل الكتاب من استحضار الماضي المأساوي إلى استشراف المستقبل، داعيًا إلى التعلم من التجارب الإنسانية الإيجابية التي برزت خلال الأزمة، حين اندفع الناس لمساندة بعضهم البعض بدافع إنساني خالص. ويؤكد الكاتب على ضرورة تجاوز الانقسامات بين «الشنكالي» و«الولاطي»، والعمل على توحيد الصف الإيزيدي.
ويختتم رؤيته بالدعوة إلى بناء جيل جديد من الشباب الواعي، يحمل قضيته بصدق ومسؤولية، بعيدًا عن المصالح الشخصية والاصطفافات السياسية الضيقة، مع التأكيد على أهمية تأسيس فلسفة أخلاقية جديدة قوامها التضامن الحقيقي والاعتماد على الذات، باعتبارهما مفتاحين أساسيين لإعادة تأهيل المجتمع الإيزيدي والنهوض به نحو مستقبل أفضل.
ختام القراءة: شهادة خالدة ودعوة للتفكير
إن كتاب «وجهاً لوجه مع داعش» ليس مجرد سرد لحقبة مظلمة من تاريخ العراق والمنطقة، بل هو وثيقة إنسانية متكاملة تجمع بين الشهادة الشخصية الصادقة، والتحليل النقدي الجريء، والرؤية المستقبلية الواقعية. إنه عمل يستحق القراءة ليس فقط لفهم عمق المأساة الإيزيدية، بل لاستخلاص الدروس في مواجهة التطرف والعنف بكل أشكاله.
لم يكتب مراد سليمان علو كتابه بصفته ضحية فقط، بل كتبه كشاهد وناقل ومواطن مسؤول، يرفض الصمت ويجاهر بالحقيقة، حتى عندما تكون مؤلمة أو موجهة إلى داخل مجتمعه. وبهذه الروح النقدية الشجاعة، والأسلوب الصادق والمؤثر، يقدم لنا عملاً خالدًا في أدب الشهادات الإنسانية، ونافذة نطل منها على معاناة شعب صامد، ودعوة صريحة لتحويل الألم إلى قوة، والمأساة إلى مشروع إصلاح وبناء.