في ظل حكومة تصريف اعمال غاب المشرع والبرلمان وضاعت كرامة المواطن وحقوقه

نهاد الحديثي

خلال فترة تصريف الاعمال , وغياب البرلمان , ، فجّر مجلس الوزراء العراقي حزمة قرارات مفصلية أعادت رسم ملامح الإدارة المالية والوظيفية في مؤسسات الدولة، معلناً مرحلة جديدة من التقشف، عبر إجراءات صارمة شملت التعيينات والشهادات والإيفادات وبيع ممتلكات الدولة وتقليص الوقود, تلك الاجاءات هي الاشد منذ سنوات طويلة
وأقرّ مجلس الوزراء، خلال جلسته الاعتيادية الأولى المنعقدة في السابع من كانون الثاني 2026، حزمة قرارات مهمة تهدف إلى ضبط الإنفاق الحكومي، وتنظيم الشؤون الوظيفية، وتعظيم الموارد المالية، في إطار مساعٍ حكومية لمعالجة التحديات الاقتصادية والإدارية، وضمان كفاءة استخدام المال العام، وذلك استناداً إلى توصيات المجلس الوزاري للاقتصاد وبحسب الصلاحيات القانونية النافذة , وجاءت القرارات، التي حملت رقم (11) لسنة 2026، بناءً على ما عرضه رئيس مجلس الوزراء، وما ورد في كتاب المجلس الوزاري للاقتصاد، وشملت ملفات التعيين والشهادات الدراسية، الإيفادات والإجازات، إدارة الأصول الحكومية، وتنظيم الوقود والطاقة، فضلاً عن إجراءات تخص المناطق الحرة وحماية المنشآت
و قرر مجلس الوزراء اعتماد الشهادة الدراسية التي جرى على أساسها تعيين الموظف لأول مرة في دوائر الدولة، مع عدم احتساب الشهادات التي يتم الحصول عليها أثناء الخدمة الوظيفية لأغراض الترفيع أو تغيير العناوين الوظيفية، باستثناء حالات محددة تخضع لضوابط قانونية خاصة كما تقرر إيقاف احتساب الشهادات اعتباراً من 1 كانون الثاني 2026 لمن لم يشمل بالإجازة الدراسية، إلى جانب إيقاف منح الإجازات الدراسية في جميع دوائر الدولة ولمدة خمس سنوات، باستثناء الجهات المستثناة قانوناً. وشملت القرارات أيضاً إيقاف الإيفادات إلى خارج العراق على نفقة الدولة لكافة الاختصاصات للمدة ذاتها، في خطوة تهدف إلى تقليل النفقات غير الضرورية , كما أُوقف النقل والتنسيب بين الوزارات ذات الأثر المالي، لا سيما وزارات النفط والمالية والدفاع والتربية والتعليم العالي، وأي جهة أخرى يترتب على نقل الموظف إليها زيادة في التخصيصات المالية
وفي ملف إدارة الأصول والممتلكات العامة، قرر مجلس الوزراء تخويل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بيع السيارات الحكومية التي مضى على سنة صنعها أكثر من (15) سنة، باستثناء السيارات الإنتاجية، وفقاً لقانون بيع وإيجار أموال الدولة، ومنع تعويض السيارات المباعة بسيارات بديلة أو شراء سيارات جديدة , كما شملت القرارات بيع المعدات والآليات الإنتاجية وغير الإنتاجية والمولدات والآليات المتوقفة أو الفائضة عن الحاجة، بعد توثيق عدم جدوى إصلاحها من قبل لجان مختصة، مع إلزام الجهات المعنية بتقديم كشوف تفصيلية خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ صدور القرار, وفي خطوة تهدف إلى ترشيد استهلاك الوقود، قرر مجلس الوزراء تخفيض حصص الوقود المخصصة للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بنسبة 50% لمدة ستة أشهر، باستثناء المولدات الكهربائية، مع إلزام تلك الجهات بالتحول إلى استخدام الطاقة الشمسية لتغطية احتياجاتها من الكهرباء خلال مدة التخفيض
وعلى صعيد المناطق الحرة، أقرّ المجلس تخصيص أراضٍ من المنطقة الكمركية الوسطى للهيئة العامة للمناطق الحرة، أو أي مواقع أخرى تحددها الهيئة، لغرض إكمال عمليات إعادة التصدير للمركبات، استناداً إلى أحكام قانون الكمارك النافذ، بما يسهم في تنظيم النشاط التجاري وتعزيز الإيرادات غير النفطية , كما صوّت مجلس الوزراء على الإيعاز إلى الهيئة العامة للمناطق الحرة بتفعيل إجراءات إعادة التصدير وفق المادة (133) من قانون الكمارك المعدل، بما ينسجم مع السياسات الاقتصادية للدولة , وفي ملف الأمن والخدمات، جرى تخويل وزارة الداخلية صلاحية فرض أجور خدمة على حماية الجهات والمنشآت غير الحكومية، ضمن إطار قانوني منظم يضمن عدم تحميل الدولة أعباء إضافية
وتأتي هذه القرارات في إطار توجه حكومي واضح نحو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، ومعالجة الاختلالات الإدارية والمالية، وتحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضمان استمرارية الخدمات العامة، وسط تأكيدات رسمية بمواصلة تنفيذ الإصلاحات بما يحقق المصلحة العامة والاستقرار المالي للدولة
قرارات التقشف في العراق, والتوسع في الجبايووة والضرائب تثير قلق شعبي وتحذيرات سياسية , وتحذيرات من تحميل الشرائح محدودة الدخل تبعات التقشف, التي تثير قلقا سياسيا واجتماعيا فهي لتلامس الاستقرار الاجتماعي والأمني في البلاد في ظل حكومة تصريف اعمال
إجراءات تقشفية مفاجئة ومتسارعة، أثارت ردات فعل متباينة وقراءات متناقضة بشأن الوضع الاقتصادي العام في بلد يملك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويُعد ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة له أوبك , وحذّر الحزب الشيوعي العراقي من المضي بتلك السياسات التي تمس معيشة المواطنين، مؤكداً في بيان له،، رفضه تحميل الشرائح محدودة الدخل تبعات ما وصفه بـ”الفشل في إدارة السياسات المالية والاقتصادية”، مؤكداً أن “البلد يواجه اليوم أزمة مالية خانقة، ليست وليدة المصادفة أو نتاج تقلبات أسعار النفط العالمية فحسب، بل هي حصاد الثمرة المرة لسنوات من السياسات المالية الفاشلة، والاعتماد الوحيد على الاقتصاد الريعي للنفط والإصرار على نهج المحاصصة الذي أفضى إلى سوء استخدام موارد الدولة، واستشراء الفساد الممنهج، ونهب المال العام , واضاف البيان ان أي محاولة لتحميل المواطنين، ومنهم الموظفون ذوو الرواتب المحدودة والكادحون وأصحاب الدخول البسيطة، تبعات هذا الفشل السياسي، هي محاولة مرفوضة جملة وتفصيلاً”، مشدداً بالقول “لن نقف وبقية القوى الوطنية والاجتماعية مكتوفي الأيدي أمام تلك السياسات التي تستهدف جيوب العراقيين لتغطية عجز تسبب به الفاشلون
لمخرج الحقيقي من هذه الأزمة لا يمر عبر الضغط على معيشة المواطن”، بل يتطلب حزمة إجراءات بديلة، في مقدمتها “البدء باتخاذ إجراءات رادعة وصارمة للحد من الفساد والنهب الذي يتعرض له المال العام، واستعادة الأموال المنهوبة التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات أو أكثر، والإعلان عنها بكل شفافية، فضلاً عن خفض رواتب الدرجات الخاصة والعليا، وإلغاء الامتيازات والمخصصات التي تستنزف ميزانية الدولة، وإيقاف النفقات التشغيلية والمصاريف التي لا تخدم سوى كبار المسؤولين، إلى جانب فرض الضرائب التصاعدية على رؤوس الأموال , وشدد البيان على ضرورة “فرض سلطة القانون المطلقة على المنافذ الحدودية كافة وإغلاق غير الرسمية منها، وانتزاعها من هيمنة القوى المتنفذة والمليشياوية”، مطالباً بـ”إلغاء القرارات الجديدة في إضافة الرسوم والتعرفات الجمركية على السلع الأساسية والغذائية والدوائية فوراً، لكونها خطاً أحمر يمس الأمن المعيشي لغالبية الشعب، مع تأكيد ضرورة اقتران ذلك بمكافحة التهرب الضريبي وضمان جباية الإيرادات الجمركية بدقة”. وختم البيان بتأكيد أن “الخلاص من الأزمة المالية لن يتحقق إلا من خلال الخلاص من نهج المحاصصة المقيت وبناء اقتصاد وطني منتج يتقاطع مع نهج (دولة الغنائم) ويؤسس لعدالة اجتماعية حقيقية تصون كرامة المواطن وحقوقه
ويرى ناشطون، أن قرارات التقشف لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الواقع الاجتماعي الهش في البلاد، وحذروا، من أن “فرض رسوم وضرائب جديدة على السلع الأساسية يمس مباشرة الحقوق الاقتصادية للمواطنين، وعلى رأسها الحق في العيش الكريم”. وأضاف، أن “أي سياسة مالية لا تراعي الفئات الضعيفة، ولا تقترن بإجراءات حقيقية لمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، تعد انتهاكاً غير مباشر للحقوق الاجتماعية، وقد تدفع شرائح واسعة إلى حافة الفقر المدقع ,ويجب على حكومة تصريف الاعمال ان تدرك أن “اللجوء إلى التقشف السريع قد يكون الأسهل سياسياً، لكنه الأخطر اقتصادياً واجتماعياً , وان معالجة الازمةعبر الجباية ورفع الرسوم دون إصلاح بنيوي للاقتصاد، تعني تعميق الاعتماد على الحلول المؤقتة، في وقت يكمن الحل في خفض الامتيازات العليا، وضبط الإنفاق، وفرض ضرائب تصاعدية عادلة، إلى جانب استعادة السيطرة الكاملة على المنافذ الحيوية
وتساءل الخبير والمستشار القانوني الدكتور غازي فيصل // كيف صدر قرار مجلس الوزراء الأخير بوجود كل مستشاري السوداني!.
وعلق قائلا // قرارات مجلس الوزراء الأخيرة، تكشف عجزاً مالياً وسياسة تقشفية تتبعها الحكومة ,, لا يجوز له أن يعطل أو يعدل فيها، لأن ذلك يعتبر اعتداءً على اختصاصات المشرع، وبالتالي يعتبر خرقاً دستورياً، لا سيما وأن الحكومة هي حكومة تصريف أعمال ما يعني أنها لا تستطيع إقراره لأنه يخرج عن دائرة اختصاصاتها المحددة.
ويعرج فيصل على الحل لمواجهة القرار الأخير باللجوء إلى القضاء، لكنه يؤكد أن هذا الحل يأخذ وقتاً لذا يمكن الاستعاضة عنه ببديل أسرع، وهو قيام مجلس النواب بإصدار قرار تشريعي يلغي الجزء المخالف للقانون من القرار,, ويختم فيصل حديثه بأن صدور مثل هذا القرار عن مجلس الوزراء إنما “يزعزع ثقة المواطن بالدولة التي تدعي بأنها دولة قانون، والقانون بعيد عن بعض قراراتها بعد المشرقين”، مستغرباً من كيفية صدوره بوجود عدد كبير من المستشارين القانونيين لرئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني
إن مجلس الوزراء اليوم يمارس اختصاصات حكومة تصريف الأعمال، وبحسب المادة (42/ثانياً) من النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم (2) لسنة 2019، تتولى اتخاذ القرارات والإجراءات غير القابلة للتأجيل التي من شأنها استمرار عمل مؤسسات الدولة والمرافق العامة بانتظام واطراد؛ أي كما يقول الفقه “تمشية الأعمال اليومية وتقديم الخدمات للمواطنين”. فهل أن القرار الذي أصدره مجلس الوزراء يدخل ضمن هذا الوصف؟ وحتى لو فرضنا -وفرض المحال غير محال- أن القرار لم يخالف أحكام القوانين النافذة، فإن حكومة تصريف الأعمال لا تستطيع إقراره لأنه يخرج عن دائرة اختصاصاتها المحددة في أعلاه، وهذا ما يضيف عيباً جسيماً آخر على القرار
ويؤكد رجال القانون إن قرار مجلس الوزراء يصلح للطعن في جزء منه أمام محكمة القضاء الإداري من وجهين: الأول مخالفة بعض أحكامه لنصوص القوانين النافذة، والثاني أنه صدر من حكومة تصريف الأعمال، على أن يسبقه تظلم يقدم للمجلس خلال ثلاثين يوماً من تاريخ نشره. إلا أن طريق القضاء طويل، ويمكن الاستعاضة عنه ببديل أسرع، وهو قيام مجلس النواب -استعمالاً لاختصاصه المنصوص عليه في المادة (61/ثانياً) من الدستور- بإصدار قرار تشريعي بإلغاء الجزء المخالف للقانون من القرار؛ لأنه أعلى مرتبة ومقاماً من قرار مجلس الوزراء. والقرارات التشريعية ملزمة للسلطات كافة، وإن كان البعض ينزع عنها الصفة الإلزامية متوهماً لأنه لا يعلم إلا ظاهراً من القانون. إن صدور مثل هذا القرار عن مجلس الوزراء إنما يزعزع ثقة المواطن بالدولة التي تدعي بأنها دولة قانون، والقانون بعيد عن بعض قراراتها بعد المشرقين ,مجلس الوزراء وهو في ظل حكومة تصريف الأعمال، وهي حكومة مغلولة اليد حد العنق في اتخاذ القرارات المصيرية ذوات التأثير المباشر على حياة المواطنين؟ ويا للعجب أن يصدر مجلس الوزراء مثل هذا القرار وملاكه مزدحم بالمستشارين القانونيين
وشددخبراء الاقتصاد أن “ارتدادات التقشف في العراق لن تبقى محصورة في الأرقام والمؤشرات المالية، بل قد تتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي على إدارة الأزمة دون دفع المجتمع إلى مزيد من الاحتقان، في ظل مطالب متزايدة بإصلاحات اقتصادية جذرية تنهي نهج المحاصصة وتؤسس لاقتصاد وطني منتج وعدالة اجتماعية مستدامة
قدر العجز في الموازنة العامة بنحو 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، ليتسع إلى 7.5% في 2025 فإن العجز المالي في العراق ليس أزمة أرقام فحسب بل هو انعكاس لأزمة إدارة ورؤية اقتصادية تحتاج إلى إصلاح جذري يبدأ بتنويع مصادر الدخل ومحاربة الفساد وإعادة هيكلة الإنفاق وتفعيل القطاعات المنتجة فبدون ذلك سيبقى العراق أسيرا لموازنة مثقلة وعجز يتكرر كلما اهتز سعر النفط أو تعثرت السياسة , ولا يمكن إغفال ضعف النظام الضريبي والجمركي فالعراق من أقل الدول تحصيلا للضرائب مقارنة بحجم الإنفاق كما أن المنافذ الحدودية تعاني من خلل كبير في الجباية مما يحرم الخزينة من موارد مهمة كان يمكن أن تخفف من حدة العجز وتقلل الاعتماد على النفط , أسهم الفساد المالي والإداري بدور خطير في استنزاف المال العام فالمشاريع الوهمية والعقود المبالغ في كلفتها وسوء التخطيط أدت إلى ضياع مليارات الدولارات دون أثر ملموس على أرض الواقع مما جعل الدولة تدفع أموالا طائلة دون عائد اقتصادي حقيقي يعزز الإيرادات أو يقلل الإنفاق , إضافة إلى ذلك فإن عدم الاستقرار السياسي والأمني خلال سنوات طويلة أدى إلى تعطيل الاستثمار المحلي والأجنبي فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة وقوانين واضحة بينما ظل العراق يعيش تقلبات مستمرة أفقدته فرصا اقتصادية كبيرة كان يمكن أن تخلق دخلا وفرص عمل وتخفف الضغط على الموازنة

قد يعجبك ايضا