الرياضة.. ضرورتها ومخاطرها

د. حسين جبار إبراهيم

الرياضة ضرورة صحية وتربوية وثقافية ووسيلة أساسية لبناء الشاب السوي والمتوازن جسديا ونفسيا واخلاقيا.
الشاب في العراق يواجه كبتا وضغوطا نفسية واجتماعية وتحديات معيشية، وتبرز الرياضة ملاذا ووسيلة نجاة من كل الظروف الشاذة حوله.
تُجمع الدراسات على أن ممارسة الرياضة المنتظمة تُحسن من صحة القلب والرئتين وتقوي الجهاز العصبي والمناعي وتخفف القلق، وتبني الانضباط والالتزام والثقة بالنفس، وتبعد الشاب عن الاحساس بالفراغ، وتجعل بينه وبين العبث والانحراف حاجزا صلبا، وتمنحه شعورا ايجابيا ومريحا بالانجاز والانتماء وتجعله يساهم برفع علم بلاده بفخر، فيرفع ذلك من الروح المعنوية والوطنية المفقودة عند الكثيرين للاسف في عراق اليوم.
والالعاب الرياضية العنيفة لكي تكون مفيدة يجب ان تُمارَس بوعي وبوجود طبيب ودعم حكومي لا ينقطع، لكل الرياضات بما فيها الفنون القتالية والمستويات الاحترافية التي تتميز بالتمارين القاسية والتي يضيق فيها المجال حتى على فترة التعافي من الاصابات. ان الالعاب التي تتضمن ضربات على الرأس قد تسبب ضررا على الدماغ والذاكرة واصابات في المفاصل والعمود الفقري. لذا على اللاعب ممارسة الرياضة بعقل ودراية وليس بعصبية وتهور. ولكن هذا لا يعني ان يفكر بترك الرياضة، لان هذا فيه خطر أكبر، لأنه سيترك جسمه فريسة للضعف ولامراض القلب، والسمنة، وهشاشة العظام، وضعف الصحة النفسية، وضياع الطاقات الشبابية.
ان الفنون القتالية هي مدارس تعليم وضبط واحترام. واذا وجد فيها نوع من العنف فان اية رياضة لا تخلو من درجة معينة من العنف أو الخطورة، فالملاكمة هي الأعلى خطرا بسبب الضربات المباشرة والمتكررة على الرأس، تليها رياضة ال MMA التي تقل فيها الضربات المتكررة على الرأس. وللكيك بوكسينغ والمواي تاي خطورة متوسطة. وتأتي رياضات الجودو، والجيوجيتسو، والمصارعة بدرجة اقل، لان خطرها في الغالب عضليا.
اما لعبة كرة القدم، فخطورتها معروفة، واكثرها واخطرها اصابة الركبة والكاحل، وبدرجة اقل في الرأس، فضلا عن الجهد القلبي والتنفسي بسبب السرعة في الانطلاق والتوقف، وتغيير الاتجاه بصورة مفاجئة يؤدي الى التواء أو تمزق عضلات واربطة. وهي بذلك لا تبتعد عن الخطورة التي تتميز بها لعبة المواي تاي. وكلا اللعبتين تحتاجان الى عناية ومتابعة طبية صارمة تتحمل مسؤوليتها الدولة.
لقد انتشرت رياضة المواي تاي بشكل لافت بين الشباب العراقي رغم الصعوبات وقلة الدعم. فهذه الرياضة صادقة ورجولية واخلاقية لا تزويق فيها، تُشعر الشاب بالقوة والثقة، وتفرغ الطاقة والغضب الذي يكبته، وتبني له جسدا صلبا وقويا وترفع من قابليته على الصبر والتحمل. وفوق هذا وذاك تنقذه من مواقف محرجة وتبعد عنه صفة الجبن والانهزامية المستشرية التي تدفع الشاب الى الفرار من مواجهة خصمه بوسائل جبانة ومنحطة: (الصياح، السباب، البصاق، التقاط حجرا أو آلة حديدية أو خشبية، أو يهدد بالعشيرة لتحميه وتعاقب نيابة عنه خصمه الوحيد والاعزل!!).

برز في العراق في رياضة المواي تاي أبطال حقيقيون، بعضهم حقق إنجازات دولية بجهود شخصية أو دعم عائلي في مشهد يبعث على الفخر والأسى في وقت واحد. اذ اضطرت بعض العوائل العراقية إلى تمويل تدريب أبنائها في النزالات ومعسكرات التدريب خارج العراق بعد ان اصابها اليأس من احترام الدولة للرياضة والثقافة. ان هذا الاهمال يقتل الطموح ويعرض صحة الرياضيين للخطر، لأن الفنون القتالية بلا إشراف طبي كامل وتجهيزات وقاعات تمرين سليمة تتحول من بناء إلى هدم. لذا لا يجب على الدولة ان تركز على لعبة واحدة وتغفل بقية الألعاب، فكل الالعاب مهمة وتحتاج إلى عناية وتطوير، وكلها تصب أولا وأخيرا في مصلحة البلاد. وصحيح ان لعبة كرة القدم هي اللعبة الشعبية الكبرى في العراق لكنها ليست الرياضة الوحيدة. والملاكمة ورفع الأثقال فيها فرص أولمبية حقيقية للعراق. وألعاب القوى أقل كلفة وأكثر مردودا، والألعاب الفردية ترفع اسم وعلم العراق بأسرع وقت وأقل ميزانية.
بقي ان نقول ان على الشباب العراقي ان يمارس أي نوع من انواع الرياضة التي ينجذب اليها، ولكن بوعي وادراك، وان لا يستهين بالاصابة. وعليه ايضا ان يسلح نفسه بالثقافة وبالمعرفة الطبية التي تتعلق بصحة جسمه على الاقل، فالرياضة ليست استعراضا للقوة، بل بناءً للاجسام والعقول السليمة معا. وعلى الدولة ان تفهم ان الرياضة استثمار، وان دعم الأبطال واجب عليها وليس مِنّة.. عليها ان تدرك ان القاعة الصحية أهم من الشعارات، وان العدالة بين الألعاب تصنع أبطالا أكثر.
الرياضة في العراق لا تنقصها المواهب، بل تعوزها الادارة والرؤية والانصاف. ورياضة المواي تاي في العراق بما تحمله من شغف شبابي، تمثل فرصة حقيقية لتأسيس رياضة رفيعة المستوى قادرة على إنجاب أبطال حقيقيين متى ما تهيأت لهم بيئة صحية وعلمية ملائمة.

قد يعجبك ايضا