الخيانات التي تعرض لها الكورد …عبر التاريخ وعود مكسورة …..و خيبة أمل

دلزار اسماعيل رسول

يُقال في التراث الشعبي الكوردي “ليس للكورد أصدقاء سوى الجبال”، وهي مقولة لخصت قروناً من الوعود المكسورة والتحالفات التي انتهت بالتخلي عنهم بمجرد تقاطع المصالح الكبرى.

و نورد هنا أبرز المحطات التاريخية التي يُنظر إليها كخيانات كبرى تعرض لها الكورد:

أولا :_ معاهدة لوزان (1923): الضربة الأولى للحلم

بعد الحرب العالمية الأولى، نصت معاهدة سيفر (1920) على حق الكورد في تقرير المصير وإنشاء دولة مستقلة. لكن بعد صعود مصطفى كمال أتاتورك وتغير موازين القوى، تخلت القوى الكبرى (بريطانيا وفرنسا) عن وعودها في معاهدة لوزان (1923).

حيث تم: تم تقسيم الأراضي الكوردية رسمياً بين أربع دول (تركيا، العراق، سوريا، وإيران)، وتم تجاهل حقوق الكورد القومية تماماً.

ثانيا:_ اتفاقية الجزائر (آذار 1975): طعنة الحلفاء

تعد هذه الواحدة من أقسى الخيانات في الذاكرة الكوردية. كان شاه إيران يدعم الثورة الكوردية في العراق بإيعاز ودعم من الولايات المتحدة (هنري كيسنجر)

ولكن الخيانة: جاءت وبشكل مفاجئ، حيث وقع شاه إيران وصدام حسين اتفاقية في الجزائر لترسيم الحدود (شط العرب) مقابل وقف إيران دعمها للكورد وإغلاق الحدود.

فكانت النتيجة أن انهارت الثورة الكوردية خلال أيام، وتُرك الكورد لمواجهة حملات قمعية شرسة وتهجير جماعي، واشتهرت مقولة كيسنجر حينها: “العمل السري لا ينبغي خلطه بالعمل الخيري”.

ثالثا:_جمهورية مهاباد (1946): التخلي السوفيتي

أعلن الكورد في إيران عن “جمهورية مهاباد” بدعم من الاتحاد السوفيتي الذي كان يحتل شمال إيران حينها.

و حدثت الخيانة: بعد ضغوط غربية واتفاقات نفطية مع الحكومة الإيرانية، وقام السوفييت بسحب قواتهم وتركوا الجمهورية الوليدة وحيدة أمام الجيش الإيراني.

والنتيجة أن سقطت الجمهورية بعد أحد عشر شهراً فقط، وتم إعدام رئيسها قاضي محمد في الساحة العامة في مدينة مهابات.

رابعاً:_ الانتفاضة (1991): خيبة الأمل الأمريكية

بعد حرب الخليج، شجع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب العراقيين (والكورد) على الانتفاض ضد صدام حسين.

وحدثت الخيانة: عندما بدأت الانتفاضة وسيطر الكورد على مدنهم، وفي نفس الوقت سمحت لقوات صدام باستخدام الطائرات المروحية لقمع الثورة، ولم تتدخل عسكرياً لحمايتهم في البداية.

فاتجه الكورد نحو الجبال بصورة جماعية في “الهجرة المليونية” خوفاً من الإبادة، قبل أن يُفرض لاحقاً خط حظر طيران.

خامساً:_الاستقلال وكركوك (أيلول 2017)

بعد إجراء استفتاء استقلال إقليم كوردستان، وجد الكورد أنفسهم معزولين دولياً. حتى الولايات المتحدة، التي كانت تعتبرهم أقرب حلفائها، عارضت الخطوة.

سمح الصمت الدولي للقوات العراقية والحشد الشعبي باستعادة السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها، مما أدى لخسارة الكورد لنفوذهم الاقتصادي والجغرافي الأكبر.

سادساً:_الانسحاب من عفرين (2018) وشمال سوريا (تشرين الأول 2019)

في السنوات الأخيرة، تعرض الكورد في سوريا لما وُصف بالخيانة مرتين:

* عفرين (2018): انسحبت القوات الروسية من عفرين، مما فتح المجال أمام تركيا للقيام بعملية “غصن الزيتون”.

* شرق الفرات (تشرين الأول 2019): قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من المناطق الحدودية بشكل مفاجئ، مما سمح لتركيا ببدء عملية “نبع السلام” ضد قوات سوريا الديمقراطية التي كانت الحليف الأول لأمريكا في الحرب ضد “داعش”.

هذه المحطات جعلت من “الخيانة” سمة متكررة في الأدبيات السياسية الكوردية، حيث يرى الكثيرون أن حقوقهم دائماً ما تُقدم كقربان على مذبح المصالح الدولية والإقليمية.

وما يحدث الآن يُعد فصلاً جديداً ومؤلماً في سلسلة التحديات التي يواجهها الكورد في سوريا، وهو يجسد بشكل صارخ عودة الصراع بين “المركزية” والطموح “اللامركزي” للكورد.

و إذا حللنا الموقف الحالي فنرى ما يلي:_

1. ما الذي يحدث ميدانياً _

تصعيداً عسكرياً هو الأعنف منذ سنوات في مدينة حلب، وتحديداً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكوردية . حيث شنت القوات السورية الحكومية (التابعة لحكومة “أحمد الشرع”) حملة عسكرية لفرض السيطرة الكاملة على مدينة حلب، معتبرة وجود وحدات حماية الشعب (YPG) داخل هذه الأحياء “كياناً منفصلاً” غير مقبول.

و بعد اشتباكات ضارية أدت لتهجير أكثر من 150 ألف مدني، انسحبت القوات الكوردية من هذين الحيين باتجاه مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، مما أنهى وجوداً كوردياً عسكرياً مستقلاً في حلب دام لسنوات طويلة.

2. موقف الولايات المتحدة: “الأولويات أولاً”

رغم أن الكورد (قسد) هم الشريك الرئيسي لأمريكا في محاربة داعش، إلا أن الموقف الأمريكي الحالي يتسم بالبراغماتية الشديدة التي يراها الكورد “تغاضياً”:

* الضغط للاندماج: واشنطن تدفع “قسد” بقوة لتنفيذ اتفاقات (مثل اتفاق آذار 2025) التي تقضي بدمج قواتها ضمن الجيش السوري الجديد.

* تجنب المواجهة مع الحكومة الجديدة: الولايات المتحدة لا تريد الدخول في صراع مع الحكومة السورية الجديدة في دمشق التي تحاول واشنطن كسبها بعيداً عن النفوذ الإيراني والروسي، لذا فهي تمارس ضغوطاً سياسية محدودة دون تدخل عسكري لحماية القوات الكوردية .

لماذا يتم التخلي من قبل الحلفاء:

يرى الكورد أنهم قدموا آلاف الشهداء في الحرب ضد الإرهاب نيابة عن العالم، والآن يُتركون وحدهم لمواجهة محاولات صهر هويتهم أو استئصال نفوذهم.

وحدث تكرار سيناريو عفرين، مشهد انسحاب المقاتلين بالحافلات من حلب تحت إشراف الجيش السوري وبصمت دولي، أعاد للأذهان سيناريو عفرين ورأس العين، حيث تم تبادل المناطق في صفقات دولية لم يكن للكورد فيها رأي.

الكورد اليوم بين فكي كماشة؛ ضغط الحكومة السورية لفرض السيادة المركزية، ورغبة دولية في استقرار سوريا ولو على حساب الخصوصية الكوردية…فأين المفر؟!

لذلك يتبادر الى أذهاننا السؤال المحير…. لماذا يخذل العالم الكورد دائماً؟

إن التخلي المتكرر عن الكورد ليس صدفة، بل هو نتيجة لسياسة “البراغماتية المتوحشة”:

1. المصالح فوق المبادئ: تفضل القوى العظمى دائماً استقرار الأنظمة المركزية (رغم دكتاتوريتها أحياناً) على دعم حركات تحررية قد تثير قلق حلفاء إقليميين.

2. غياب الحماية القانونية الدولية: يظل الكورد “فاعلين من غير الدول” في نظر القانون الدولي، مما يجعل التخلي عنهم سياسياً بلا تبعات قانونية على القوى الكبرى.

لذلك تتأكد الحقيقة التي لا مناص منها وهي… الجبل هو الملاذ الأخير

اليوم، وفي ظل الحملة الشرسة التي يواجهها الكورد في سوريا مع مطلع هذا العام، يدرك الإنسان الكوردي أن الجغرافيا التي منحته الجمال والقوة هي نفسها التي جعلت أرضه ساحة لتصفية الحسابات. إن الخيانة التي يتعرض لها الكورد اليوم في سوريا ليست مجرد انسحاب عسكري أو هزيمة ميدانية، بل هي طعنة في قيم العدالة الدولية التي تُبنى على جثث الحلفاء الصادقين بمجرد انتهاء صلاحية حاجتهم.

سيبقى التاريخ يذكر أن الكورد خاضوا حروب العالم ضد التطرف، وعندما حان وقت قطاف السلام، وجدوا أنفسهم وحيدين، يواجهون قدرهم المعتاد…. العودة إلى الجبال….مع الاسف…

قد يعجبك ايضا