عواد علي
إلحاقًا بمقالتي السابقة “لماذا أحب الكُرد” أكتب هذه المقالة:
كثيرًا ما كان يعيد الصديق الفنان الكردي الراحل جهاد دلباك على أسماعنا، الدكتور عبدالله إبراهيم وأنا، هذه العبارة، وينسبها إلى الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، وكان يقول، في لقاءاتنا بشقته في السليمانية، إن فيلسوف الوجودية كان رئيسًا لجمعية الصداقة الفرنسية الكردية.
في اعتقادي، ليس ثمة وصف يختصر المأساة الكردية مثل هذا العنوان القاسي: |الكُرد أيتام الكون”. فاليُتم هنا ليس فقدان الأب البيولوجي، بل فقدان الراعي الدولي، والاعتراف التاريخي. إنهم شعبٌ وُلد في قلب الجغرافيا، لكنه تُرك على هامش التاريخ، شعبٌ تكسّرت أحلامه على حدود الآخرين، وتحوّلت قضيته إلى ملف مؤجَّل في أدراج المصالح الكبرى.
أمة بلا دولة
الكُرد من أقدم شعوب المنطقة، لهم لغة وهوية وثقافة متجذّرة، لكنهم ظلّوا من دون دولة جامعة. بعد الحرب العالمية الأولى، حين أُعيد رسم خرائط الشرق الأوسط، كان الكُرد وقود تلك الخرائط لا شركاءها. معاهدة سيفر لمحت إلى حقهم، لكن معاهدة لوزان دفنته. هكذا قُسِّمت الأرض الكردية بين أربع دول، وصار الكردي غريبًا في وطنه، محكومًا بقوانين لا تعترف باسمه، ولا بلغته، ولا بحلمه.
خذلان دائم من القوى الكبرى
في كل منعطف تاريخي، كان الكُرد يُستَدعون حلفاء عند الحاجة، ثم يُتركون وحدهم عند أول تسوية. استخدمتهم القوى الكبرى ورقة ضغط، لا مشروع تحرّر. من انتفاضات أُجهضت، إلى ثورات وُئدت، إلى اتفاقات عُقدت على حسابهم، ظلّ المصير الكردي رهينة حسابات لا أخلاقية. هذا الخذلان المتكرر هو ما صنع شعور “اليُتم الكوني”: لا سند دولي ثابت، ولا ضمانة أخلاقية تحمي حقهم في الحياة الحرة.
بين الإنكار والقمع
في الدول التي تقاسمت الجغرافيا الكردية، واجه الكُرد سياسات إنكار متباينةً في شدّتها، متشابهةً في جوهرها. مُنعت اللغة في تركيا، غُيّرت الأسماء، ووصِفت الهوية بالخطر. وحين طالبوا بحقوق ثقافية أو سياسية، وُصموا بالانفصال أو الخيانة. لم يُسمح لهم أن يكونوا مواطنين كاملين، ولا أن يكونوا أمةً مستقلةً؛ عالقون بين وضعين، محرومون من الاثنين معًا.
المأساة بوصفها قدرًا متكررًا
من حلبجة إلى الأنفال، ومن القرى المحروقة إلى المنافي، تراكمت المأساة الكردية كطبقات من الألم. لم تكن هذه الجرائم حوادث معزولةً، بل نتائج طبيعية لعالم يرى في الكُرد رقمًا زائدًا. ورغم ذلك، ظلّ ردّ الفعل الدولي باهتًا، مترددًا، أقرب إلى تسجيل الملاحظات منه إلى تحقيق العدالة. هكذا صار الألم الكردي بلا شهود حقيقيين، وبلا محكمة عادلة.
ثقافة مقاومة لا تنكسر
لأنهم شعبٌ بلا أبٍ دولي يتبناه، وبلا أمٍّ سياسية تحميه. لأن قضيتهم عادلة لكنها غير مربحة، إنسانية لكنها لا تدخل بورصات النفط والسلاح. لأن العالم يتعاطف معهم حين يُقتلون، وينساهم حين يطالبون بحقوقهم. لأنهم يُمدَحون كمحاربين أشداء، لكن يُخاف منهم كمواطنين أحرار.
اليُتم الذي يصنع الأخلاق
ربما كان اليُتم الكردي، بكل قسوته، هو ما منح هذا الشعب حساسيته الأخلاقية العالية تجاه الحرية. فمن ذاق الظلم طويلًا، يعرف قيمة العدالة. ومن عاش بلا دولة، يفهم معنى الكرامة الإنسانية.
إن الكُرد أيتام الكون حقًا، سواء قالها سارتر أو غيره، لكنهم ليسوا بلا تاريخ، ولا بلا مستقبل. إنهم امتحانٌ دائم لضمير العالم: إما أن يعترف بهم كشعب كامل الحقوق، أو يظل شريكًا في إدامة يتمهم.
وفي انتظار هذا الاعتراف، سيبقى الكردي واقفًا، يحمل وطنه في لغته، ودولته في حلمه، وكرامته في عناده.
ومع كل هذا، لم يتحوّل الكُرد إلى شعب مهزوم. على العكس، صاغوا من المعاناة ثقافة مقاومة، ومن الحرمان إبداعًا. في الشعر والغناء، في الأسطورة والحكاية، في الرقص واللباس، حافظوا على ذاكرتهم حيّةً. كانت الثقافة هي الوطن البديل، واللغة هي الدولة المؤجلة. وهذا ما يجعل التجربة الكردية استثنائية: قدرة نادرة على البقاء دون اعتراف، والاستمرار دون ضمانات.
إقليم كردستان… استثناء ناقص
شكّل إقليم كردستان العراق لحظة أمل في تاريخ طويل من الخيبات. أول مرة، امتلك الكُرد مساحةً من الحكم الذاتي، وتجربةً سياسيةً قابلةً للتطوير. لكنها، رغم أهميتها، ظلت محاصَرةً بالتوازنات الإقليمية، ومهددةً بالخلافات الداخلية، وغير مكتملة السيادة. إنها خطوة إلى الأمام، لكنها لا تنهي اليُتم، بل تخفف وطأته فقط.
لماذا هم أيتام الكون؟