المجتمع الدولي شريك في الجريمة: كيف تُباع سوريا قطعةً قطعة باسم الاستقرار؟

حوران حم

لم يعد السؤال المطروح اليوم: لماذا تنزف سوريا؟ بل من يربح من هذا النزيف؟ ولم يعد الاستغراب مبررًا أمام حجم الوقائع، لأن ما يجري لم يعد فشلًا دوليًا ولا عجزًا أمميًا، بل سياسة مكتملة الأركان، تُدار بوعي، وتُنفَّذ ببرود، وتُغطّى بخطابٍ أخلاقيٍّ كاذب عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
كيف يقبل المجتمع الدولي—الذي يملأ الدنيا ضجيجًا عن القيم—أن يُعاد تقديم محمد الجولاني، ومن حوله، كخيارٍ سياسي أو أمرٍ واقع في مستقبل سوريا؟ كيف يُسمح بتحويل شخص خرج من رحم التنظيمات المتطرفة، وتكوّن في بيئة السلاح والإقصاء، إلى “فاعل شرعي”، بينما لم تجف بعد دماء السوريين من الساحل إلى جبل العرب، ومن إدلب إلى حلب، ومن ثم إلى المناطق الكردية؟

هذه ليست زلّة أخلاقية، بل انقلاب أخلاقي كامل. فحين تصمت الأمم المتحدة، وحين تكتفي العواصم الغربية ببيانات فضفاضة، وحين يُعاد تعريف الإرهاب وفق الحاجة السياسية، نكون أمام حقيقة واحدة: الدم السوري لم يعد أولوية، والعدالة تحوّلت إلى عبءٍ على طاولة المصالح.
ما جرى في الساحل السوري لم يكن “تجاوزات فردية”، كما يحلو لبعض الدبلوماسيين تسميته، بل عقابًا جماعيًا ورسالة سياسية: من يخرج عن الخط المرسوم، يُكسر. وفي جبل العرب، حيث حاولت هذه الجغرافيا أن تحمي نفسها من الانزلاق الكامل إلى الحرب، جرى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والأمني لإخضاعها، في تذكيرٍ فجّ بأن الخصوصية لم تعد مسموحة، وأن الحياد جريمة في زمن الاصطفافات القسرية.

أما المناطق الكردية، فهي الهدف الدائم والمؤجل في آنٍ واحد. هنا لا نتحدث عن أخطاء حرب، بل عن سياسة طويلة الأمد لطمس الهوية، وتفكيك المجتمع، وتجريد شعبٍ كامل من أي أفق سياسي أو دستوري. الكرد يُستخدمون حين تقتضي الحاجة العسكرية، ويُتخلّى عنهم حين تبدأ المساومات. وهذه ليست فرضية، بل تاريخ متكرر من الخذلان الدولي.
وفي قلب هذا المشهد، تقف تركيا لاعبًا لا يخفي نواياه. ما جرى في عفرين، وسري كانيه، وكري سبي، لم يكن دفاعًا عن الأمن القومي، بل مشروع تغيير ديمغرافي ممنهج، يُنفَّذ بالسلاح، ويُغطّى سياسيًا، ويُترك بلا مساءلة. السؤال الحقيقي ليس: لماذا تفعل تركيا ذلك؟ بل: من منحها الضوء الأخضر؟ ومن قرر أن الكرد ليسوا أولوية تستحق الحماية؟

الإجابة تقودنا مباشرة إلى جوهر المشكلة: منطق المقايضة الدولية. تُمنح أنقرة حرية الحركة في الشمال السوري، مقابل أدوارٍ وظيفية في ملفات أخرى. يُغضّ الطرف عن الانتهاكات، مقابل “ضبط الحدود” أو لعب دور في توازنات أوسع. وهكذا، تتحوّل الجغرافيا السورية إلى عملة تفاوض، وتتحوّل المكوّنات إلى أرقام في جداول المصالح.
ولا يمكن فصل كل ذلك عن العامل الإسرائيلي، الغائب الحاضر في كل الحسابات. إسرائيل لا يعنيها من يحكم دمشق، بقدر ما يعنيها أن تبقى سوريا ضعيفة، مفككة، بلا مشروع وطني جامع. المهم هو حدود آمنة، ومجتمع مشلول، ودولة عاجزة عن إنتاج قرار سيادي. ومن هنا، لا يعود غريبًا أن تُفتح قنوات تواصل مع أطرافٍ متطرفة سابقًا، طالما أنها تؤدي وظيفة محددة في معادلة الأمن. فالأخلاق، في هذا السياق، تُستبدل بالمنفعة، والتاريخ يُمحى بقرار.

أما الولايات المتحدة، فهي تتحمّل مسؤولية مضاعفة. في شرق الفرات، لا تزال واشنطن تتحدث عن الشراكة، وعن محاربة الإرهاب، وعن الاستقرار. لكن التجربة تقول إن هذه الشراكات هشّة ومشروطة. السؤال الذي يطرحه الكرد اليوم بمرارة: هل سنكون مرة أخرى ورقة مؤقتة؟ هل ستُقايض مصالحنا بصفقة أكبر مع تركيا؟ أم أن هناك إدراكًا حقيقيًا بأن أي شرق أوسط جديد لا يمكن أن يُبنى فوق إنكار شعبٍ كامل؟

حتى اللحظة، المؤشرات لا تبعث على الطمأنينة. فلا حديث جدي عن ضمانات دستورية للكرد، ولا عن اعتراف سياسي حقيقي، ولا عن حماية دولية واضحة. كل ما يُقدَّم هو إدارة مؤقتة للأزمة، بانتظار جولة تفاوض جديدة تُعاد فيها خلط الأوراق على حساب الضعفاء.
الأخطر من كل ما سبق هو الصمت الدولي عن مسألة العدالة. لا محاسبة، لا عدالة انتقالية، لا اعتراف بالضحايا. وكأن المطلوب من السوريين أن ينسوا، وأن يتعايشوا قسرًا مع الجلاد، وأن يقبلوا بحلولٍ مفروضة عليهم باسم “الواقعية السياسية”. لكن أي واقعية هذه التي تُبنى على إنكار الألم؟ وأي استقرار يمكن أن يولد من رحم الظلم؟

إن محاولة تسويق شخصيات خرجت من العنف كـ”حلول سياسية”، ليست إلا إعادة تدوير للأزمة، وتأجيل لانفجارٍ أكبر. فالشعوب قد تُهزم عسكريًا، لكنها لا تُمحى سياسيًا ولا أخلاقيًا. والحقوق التي تُسلب اليوم ستعود غدًا بصيغة أكثر حدّة.
سوريا لا تحتاج مؤتمرات شكلية، ولا رعاة دوليين بوجوه متعددة، بل تحتاج مشروع دولة حقيقية: دولة تعترف بكل مكوّناتها، تضمن حقوقهم في الدستور، وتحاسب من تلطخت أيديهم بالدم. وكل طريق لا يمر عبر هذه الحقيقة، هو طريقٌ معبّد لمأساة جديدة.

أما المجتمع الدولي، فعليه أن يختار بوضوح:
إما أن يتوقف عن المتاجرة بالقيم،
أو أن يعترف صراحةً بأنه شريك في الجريمة.
التاريخ لن يرحم هذا الصمت، ولن تُغفر هذه المقايضات. لأن الدم، مهما طال الزمن، لا يتحوّل إلى تفصيل سياسي… بل إلى إدانة مفتوحة.

قد يعجبك ايضا