لطيف دلو
يقول الدكتور علي الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ( ص381) إن الشعب العراقي اكثر شعوب العالم ولعا بالسياسة ومنهمكا فيها فالكل تقريبا رجل سياسة من الطراز الاول لا تكاد تتحدث مع بقال او عطار حتى يزن البضاعة فهو يحاورك في السياسة او يسألك عنها وحمال يوصل لك البضاعة يحاول في الطريق ان يجرك الى السياسة ويزعم لو تسلم مقاليد الامور لاصلح نظام الحكم بضربة واحدة ويضيف بأن هذا الانهماك الشديد في السياسة لم يكن موجودا سابقا في بداية القرن العشرين وكان بوسعهم تعلم مهنةاو حرفة يكسبون منها عيشهم والابتعاد عن السياسة لانها بدون عيش وخبز.
تلك كانت بالامس لعدم التوافق على هيكلة تشكيل دولة العراق من اكثر من ثلاث ثقافات مختلفة من قبل دولة إستعمارية وتضارب سياسة الاحزاب عليها فيما بينها بالرغم من قلتها آنذاك ولكن اليوم أصبحت السياسة سيدة العيش والخبز وكل حزب بما لديهم فرحون وتواقون لكسب مؤيدين لهم من أمثال هؤلاء البقالي وحمالي الامس في سوق السياسة ومنهم بمجرد إنتمائهم لحزب لفترة ما وإكتسابهم خبرة في التعامل مع الناس أستغلوا الوضع السياسي الهش وقاموا يضربون اخماسا بأسداس لكسب المغفلين الذين اكثرهم متسكعين ، بوعود معسولة لا أساس لها بأنهم سيؤمنون لهم العيش الرغيد ولربات البيوت المخصصات المعيشية وأخلطوا معها الازدراء عن الاثراء الفاحش للمسؤلين السياسين ورعيتهم في السلطة بين ليلة وضحاها ، وحصلوا فعلا على اصوات خيالية ودخلوا البرلمان ومن ثم شكلوا احزابا وهي تجارة مربحة بتمويل (النثرية) من السلطة لكل حزب بدون تعب وإرهاق وبدون ضريبة او خسارة ويتمكنون بها حشد اشخاص حولهم ولربما اليوم اعداد الذين يتقاضون المعاش من الاحزاب اكثر من المتقاضين الرواتب من الحكومة وإذا استمر الحال هكذا ستصبح الاحزاب المتمولة من المال العام في العهد الحالي اكثر عددا من الاغوات العصر الملكي كان تمويلهم من محاصيل الفلاحين ، في حين كثرة الاحزاب في اي دولة من العالم الثالث تسبب إنعدام الامن والاستقرار وخلق الفوضى لتضارب الشعارات فيما بينهم وكل يطمع إسقاط الاخر بألصاق التهم له وليس عن اسلوب تقديم افضل الخدمات كما في الدول المتقدمة لانهم دون تجارب او دراية في القضايا السياسية في إدارة المجتمع اوالدولة وحتى في إدارة الحزب ومنهم يصطدمون بمشاركة أمثالهم في الفكر من الاحزاب الاخرى بالاحزاب النضالية القيادية لاسقاط مرشحيهم المحمومين للدفاع عن حقوق المواطنين ومراقبة أداء السلطات التنفيذية ونزاهتها في مناصب تؤهلهم الاداء بكفاءة ولا يدركون بأن رفض اي شخص مناسب في المحل المناسب من قبل العابثين هو وثيقة فخر وشرف ومجد لذلك الشخص ولناخبيه و سقوط القناع عن الوجه القبيح لرافضيه ووسمة ذل وسفاهة لكل منهم لان السياسة ليست لعبة الرمال على الشواطيء عندما تمحوها الامواج ولاعيبها يتمازحون باللهو والمرح ولهذا بقيت دول العالم الثالث دون تقدم يذكر إن لم تتدحرج الى الحضيض لنظرتهم الى الديمقراطية كوسيلة للوصول الى سدة الحكم وليس نهجا لاسعاد الشعب وتطوير وتقدم الدولة.
تناولت هذا الموضوع بأسلوب المفهوم العام في المجمتمع وعلى ألسنتهم من حيث الاحداث السياسية الراهنة في البلاد لان كل حزب منهمك في الحصول على الرئاسة وإن كانت غايته الاصلاح وايصال البلاد الى ركب الدول المتقدمة بثروته الهائلة ولكن المشاركين معه في السلطة يشكلون حجر العثرة أمامه لانهم يهجسون نجاحه وتفوقه وبال عليهم ولذلك قد تفشى الفساد في مفاصل الدولة ولم تستطع اي حكومة بمواردها الهائلة مجارات الدول الاقليمية وتحقيق آمال الشعب في العيش الرغيد وفي المنظور السياسي لا أرى إلا إن الحزب الواحد في الحكم يخلق دكتاتورية بحد ذاتها والحزبين احدهما في السلطة والاخر معارضا من أنجح الممارسات الديمقراطية وكثرة الاحزاب وسيلة للفوضى العارمة التي نحن فيها .