هل تشكو من شيء يا بدر؟: نعم. فأنا بحاجة لِمَن يُزيل الغبار عني. بحاجة الى المطر”.

اعداد: عدنان رحمن

                     في العام 1990 صدرت مجموعة قصص لــ ( علي عبود البحر) بعنوان ( سليمان الحلبي يحيا من جديد)، الذي طُبِعَ في الشركة العراقية للطباعة الفنية المحدودة- بغداد. ومن احدى قصصه التي كانت بعنوان ( سلاما يا بدر بن شاكر) نورد ما يأتي:

– ” الى من حملك بيوم مطير… الى الانسان علي السبتي.

كعادته كان منشغلاً بشي ما . اما الناس الذين حوله، فلم يحاول ان ينظر اليهم. هذا طفل يحدق في عينيه وأخر يركز على اذنيه وثالث يتفحص قدميه ويتعجب للحذاء الكبير الذي يلبسه وهناك طفل تسلق صدره بينما بدت امه رافعه اياه حيث مسك بأحدى يديه طرف سترته الايسر ومسك بيده الأخرى الطرف السفلي المتدلي لربطه العنق العريضة. لا تعبث يا ولدي والا يغضب علينا انزل انزل يا ولدي. لم يطع الطفل امه فقد بدأ اصراره بالوصول لهدفه واضحا ولم نعلم ماهي محطته الاخيرة او ماذا يدور في ذهنه من افكار فتاة جميلة جالسة قبالة الشارع. شاب وسيم حسن المظهر جلس جانبها .لتظهر هذه الكتابة المنقوشة هنا وسطنا وليظهر هذا الشخص معنا ايضا. قالتالفتاة: غير ممكن يا سيدتي . رد شخص يحمل آلة تصوير صغيرة بيده. فلو اردتما ان يظهر الاثنان معاً، فستكون الكتابة صغيرة الحجم ولن تتمكنا من قراءتها. صورتان اجل صورتان واحدة مع الكتابة واخرى تبرز صاحبها معكما . أ…. ولتكن ثلاثة. ستكون الصورة الثالثة من اروع ما يكون تجلسان محاذاة القاعدة وسينظر هو اليكما من فوق. فما رأيكما بذلك؟. لا بأس لا بأس. رد الشاب سنرى ان كنت مصورا ماهراً ام لا……. لم تعش البصرة مع هذا النوع من الصخب منذ فترة طويلة . ولم يكن بوسعك رؤية هذا الشارع مزينا بالمصابيح، ولا هؤلاء المارة او الجالسين هنا وهناك بكل هدوء فقد انتشر الشباب والشيوخ على امتداد الساحل وبنيت المواضع على الارصفة واستقرت البنادق فوق السطوح وانتظمت اكياس الرمل في كل مكان وألِفَ الناس ظلام الليل واصوات المدافع. وألِفوا الموت ايضا، فقد اصبح معادلا للحياةوباتت الحقيقة واضحة حتى للطفل الذي نجا من الموت وظهر من وسط الانقاض مخضبا بدماء والديه مردداً أخر كلمات سمعها مع دوي المدافع. ستزهو الحياة يا ولدي من جديد لن يمر الغربان فالشمس تشرق كل يوم. قلت لك انزل انزل قالت الام لطفلها الذي اصر على المواصلة ، فنظر الىامه والى الناس المنشغلين حوله ورفع يده ودسها في جيب السترة الأيسر محاولا سحب كتاب متوسط الحجم لكن امه صرخت بصوت مسموع جعلت بعض الحاضرين ينتبهون اليه ولكنه رغم ذلك استمر بعناده، وعندما يئس من كل محاولاته بدأ بالبكاء اريد الكتاب اريد الكتاب هيا اسحبوه لي. تقدم رجل بدت عليه علامات الوقار وقال: لا يابني لا ينبغي ان تفعل هذا خذ هذا لك. انه نسخة ثانية من ذلك الكتاب الذي في جيبه. هيا خذه وانطلق. تناوله الطفل وبدت علامات الفرح بادية عليه فراح مهرولا يحتضن الكتاب وقد اسرعت امه خلفه، بينما بقي الرجل متأملاً فترة قصيرة ثم مشى بضعة خطوات على الرصيف المحاذي للشط وتوقف فجأة ثم رجع بسرعة. وبعد ان تأكد من انشغال المارة والناس الذين ،حوله ناداه بصوت خافت: يا بدر سلاما يا بدر هل تسمعني ؟ ها انا ذا جئت أسأل عنك واتحاور معك فهل تسمعني؟ رد عليَّ يا بدر ولا تسكت بالله عليك…. لم يدر بدر ولا الرجل بأنني كنت اراقبهما والا لما حاول الرجل مناجاته، وقد احسست بأن بدرا رغم صمته، يتلوع شوقا للتحدث مع الرجل، فقد لمحت حركة جفنيه وتقلصات خفيفة بدت على وجنتيه، وكنت اعلم بأن بدرا لم يرفض طلبا لصديق او رجاءً لغريب، لكنه الآن محرجٌ وقد فات الرجل تلافي هذا الاحراج ، فأستمر بالألحاح عليه دون جدوى. وهنا ايقنت بضرورة تدخلي وحسم الموقف فتوجهت نحوهما وكأنني لم المح او اسمع شيئا من محاولة الرجل للتحدث معه. وفعلا فقد ابتعد الرجل عند ظهوري فهمست بهدوء : إثبت يا بدر سآتي اليك لا محالة. و بعد منتصف الليل بساعة واحدة ، كنت قريبا منه وقد استفدت من شجرة معمرّة بدت عليها اثار الشيخوخة ، فأختفيت خلفها ، وبعد ان تأكدت من خلو اقبال ها انا ذا جئت لأراك. دمي كدمك ومياه الشط الذي خلفك تغذي عروقي. لقد لوحت بشرتي الشمس وارتسمت خضرة النخيل في عيني كماارتسمت في عينيك يابدر سلاماً. يا بدر سلاماً.وهكذا استمرت مناداتي له حتى ان الشرطي الخفير الذي يحرس السواحل الجنوبية توجه نحوي وقال :اراك تجهل مناداة بدر. اجهل!. قُل لي اذن كيف اناديه؟. تناديه ؟. نعم. انه يسمعك الآن ولكنه عاجز عن الحركة، وان اردته ان يتحرك وينطلق فما عليك الا ان ….. همس الخفير بأذني ثم اختفى بالظلام فبدأت على الفور بالترديد بصوت مبحوح مرتجف فأرتحت ذراعا بدر وتدليتا وبدتا متعبتين من شدة الاعياء وازداد بريق عينيه، فبان اثر دموعه على خديه واضحا :

يا مطر يا حلبي

عبّر بنات الجلبي

يا مطر يا شاشا

عبر بنات الباشا

ولم اشعر بتلك اللحظة التي نزل بها بدر من منصته حيث بدأنا بالعناق الحار قد وضعت رأسي على صدره واحسست بنبضات قلبه المضطربة وهو يمسح دموعه. اين كنت كل هذه المدة ؟ آه لو تعلم بحالي وأنا اراك وسط الحشود. ناديتكوبأعلى صوتي. اجل فقد جمعت ما تبقى من قواي وصرخت فلم تسمعني، فقد طغى صوت الدمار وبكاء الاطفال على صوتي وبقيت منشغلاً وكأنك تريد الحفاظ على شيء ثمين تخشى ضياعه لم تكن لوحدك، بل كان معك العشرات، واتذكر ان خوذة فولاذية مشبكة كانت على رأسك، بينما مسكت يدك جسما برونزياً ثقيلا فأيقنت بأنك لن تسمعني، ولكنني علمت بأنك تخندقت في جيكورمع رفاقك وقد تعفرت جبهتك بترابها، فشعرت بأنني لازلت احيا ..اجل يا بدر لأنك لم تمت اتذكر يا بدر سباقنا في صعود النخيل وتلقيحها؟ آه منك فقد كنت بارعاً في كل شيء وكنت الفائز دائما، ولكنك عندما سقطت من نخلة البرحي ذات يوم تصورت بانني فرحت لسقوطك. ألا زلت تذکر؟ رد بدر وأضاف: ها انا ذا اعود طفلاً وأحس بدمائي حاره داخلي، ارغب بالسير والقفز والسباحة وتحدي تلك الظلمة الموحشة التي كنت تخاف منها. اتذكر كيف كنا نلعب ونكتب في كوت المراجيج (۱) ونقفز الانهار الضيقة ونتذوق التمر؟. نعم اذكر ذلك واذكر كل لحظة قضيتها معك يابدر. ولكن قل لي هل اعتدت الوقوف هكذا بهذا الهيكل البرونزي؟ اما تتضايق من طولك الفارع هذا؟. لقد اعتدت الوقوف ولكنني عانيت من طولي كثيرا. فكما تعلم بأن اربعة امتار تفصل بين رأسي وقدمي، قد سهلت اصابتي في مناطق مختلفة من جسدي. آه لو حدثتك عما جرى لي قبل اشهر لما تصورت الموقف لأنه لا يصدق. وأي موقف؟. الوحدة. كنت اشكو الوحدة والقلق في الليل وكان علين ان ابقى منتصبا في مكاني رغم الاجهاد، وكنت المح اثاره على جباه الناس لن يمر الظلم من هنا ، هكذا كانوا يرددون ولن تتكرر مأساأة العشار عندما نهب الانكليز محلاته وبيوته وهتكوا اعراضه وكنت احس في طفولتي بأثار العبودية من حولي. لقد رأيتك اجل رأيتك ورأيت ألاف الناس الذين يشبهونك وكنت انادي بأعلى صوتي، فيرنالصدى في اعماقي :

جيكور حبيبتي

جيكور مدينتي

تذكرت حضن امي وحب جدتي ووقار ابي الذي لم احضر جنازته، وكان صوت اقبال يناديني ويصرخ : اين انت يا بدر فقد اشتقت اليك؟ ناديتها ، صرختلأجلها : سامحيني فقد ذقت معي مرارة قاسية دهش لها ايوب لكنك لم تجزعي. سيبت وحيدا كالمسيح الذي جرّ في المنفى صليبه انزف وانت خلفي تلعقين جراحي وتلهثين.

اقبال يا زوجتي الحبيبة

كوني لغيلان رضى وطيبة

كوني له اباً واماً وارحمي نحيبه

مرت الايام عصيبة قاسية امتلأ خلالها جسدي بشظايا حاره كاللهب فاقت بعذابها كي البدوي المرسومة بقاياه على ساقي ، وغطى الغبار وجهي ودخلت الرمال عيوني وتهدمت الابنية التي امامي ورأيت الاطفال بلا رؤوس والنساء بلا ايدي، وغسلت الشوارع الدماء وأمتلأت بالحفر العميقة وسرى الألم بساقي وظهري وبطني وتمزق الكتاب الذي رافقني سنين حياتي وتلطخت منصتي الناصعة بالدماء وتغير لون الماء الذي حولي، فصاح الناس الله اكبر، فأزدهر الكون بالصياح وكان الرجال يعبرون، وكنت انا بلا حول ولا قوة خجلا انظر اليهم واشد ازرهم في اعماقي وقد احس احدهم بلهفتي فأبتسم لي وأشار بسبابته نحو عمق السماء، وهز رأسه عدة مرات وقال : اجل يا بدر لقد توكلنا عليه. سنوقف النزيف ونضمد جراحك. مات الغربان وأنيرت الشوارع وكثر الزحام يا ليتني اعيش لأسفح نفسي على التراب واسمع صوت امي : سأتي يابدر. لقد حظر الغد ولن يوقظك حلم او يبكيك ليل، فقد ولى الظلام ….. وتلك الايام التي حملوك فيها بيوم مطير تجوب شوارع البصرة، وتدق الابواب هذا بدرٌ ميتا فخذوه. هذا ابنكم فاقدا لحضن امه وحنان ابيه وابتسامة اقبال فأحتضنوه محمولا في صندوق خشبي فأكرموه. هذا الذي صرخ بصوت مسموع :

الشمس

الشمس اجمل في بلادي من سواها والظلام

حتى الظلام هناك اجمل فهو يحتضن العراق

واحسرتاه يا بدر واحسرتاه …. متى انام .

اجل ذلك الصوت الذي ناداني بنبراته الرقيقة ظل يورقني اياما طويلة حتى تحوّل الى ضحكات اطفال تعودوا زيارتي كل يوم، وبت اسمع صوتهم واحس بأصرارهم على استعارة كتابي، وكنت لمحاولاتهم في سري اضحك، فقد ثبت بسترتي ثم انصهر بحسدي فأصبح قطعة منه ، فلن يعبث به احد بعد اليوم، ولكنهم رغم ذلك سيلهون بأذني فيمسكوا أذانهم ويدلعوا السنتهم ويقفوا على ذراعي اليمنى المشوهة. مهلا يا بدر. أقلت مشوهة؟نعم. انقل عتابي لمن صنعني، فقد قبلت بهاتين الاذنين فها من صنع ربي، ولكنني لا أحب ذراعي. قل له ان يعيد تجليد كتابي ويرقع ثيابي وأن ..ما هذا يا بدر! أكُلُ الكلام لك؟. لا. ولكنك تتكلم وكأنك تريد سماعي. أصبت يا بدر، ولكن قُل لي: كيف هي الامور الآن؟. لا اريد اكثر منها لأن الأحبة يتحاورون قربي والشيوخ يستظلون بظلي. فانظر بوجوه الناس لأرى السعادة والماء خلفي. وهل تشكو من شيء يا بدر؟. نعم. فأنا بحاجة لِمَن يُزيل الغبار عني. بحاجة الى المطر.

1) كوت المراجيح ( المراقيق الرقيق او العبيد) مأوى العبيد.

قد يعجبك ايضا