الكورد يُستهدفون وصمت لا يليق بالمجتمع المدني

خوشناف سليمان:

في لحظات العنف الكبرى. لا يُختبر العمل المدني بما يقدّمه من خدمات فقط. بل بما يملكه من جرأة أخلاقية على تسمية الألم والدفاع عن الإنسان حين يُستباح. وفي زمن تتواصل فيه الحرب على المدنيين. يصبح السؤال مشروعًا.. هل يقتصر دور الجمعيات المدنية على النشاط الثقافي والاجتماعي. أم أن عليها واجبًا أوسع حين تُنتهك القيم التي قامت من أجلها؟!

وفقًا للمبادئ المعتمدة في مواثيق العمل المدني للجمعيات الثقافية والاجتماعية. فإن المجتمع المدني لا يُعرَّف بوصفه قطاعًا خدميًا فحسب. بل بوصفه فضاءً للمناصرة السلمية. والدفاع العلني عن حقوق الإنسان. وحق الحياة. وكرامة المدنيين.

ومن هذا المنطلق. لا يُعدّ التظاهر السلمي فعلًا سياسيًا حزبيًا أو فصائليًا. بل أداة مدنية مشروعة من أدوات التعبير الجماعي. حين تُسدّ السبل الأخرى. أو حين يصبح الصمت شكلًا من أشكال العجز.

الوثائق الناظمة لعمل الجمعيات المدنية. في جوهرها. تقوم على مبادئ واضحة.. رفض العنف والحرب بكل أشكالهما، حماية المدنيين دون تمييز، الوقوف إلى جانب الفئات المتضررة من النزاعات، والتعبير السلمي العلني عن هذه القيم وبناءً على ذلك. فإن الخروج في مظاهرة سلمية.. لا يضع الجمعيات في موقع سياسي ولا يعني الانحياز لأي طرف عسكري ولا يتعارض مع صفتها الثقافية أو الاجتماعية

بل هو تجسيد عملي لقيمها الأخلاقية والإنسانية. خاصة عندما يتعلّق الأمر باستهداف أحياء مدنية مأهولة بالسكان. وما يحمله ذلك من أبعاد حقوقية وإنسانية لا يمكن تجاهلها.

بين الهوية الكوردية والخطاب المدني

إن الحديث عمّا يجري في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن اختزاله في توصيف / نزاع محايد /. ما تتعرض له هذه الأحياء ليس اشتباكًا عابرًا. ولا عنفًا عشوائيًا منفلتًا. بل عنفًا ممنهجًا طال أحياء ذات غالبية كوردية. واستهدف المدنيين بسبب موقعهم وهويتهم الجماعية.

هذا التوصيف ليس تحريضًا. ولا مبالغة عاطفية، بل توصيف سياسي. حقوقي معتمد في أدبيات حقوق الإنسان. تحت مفاهيم مثل.. الاستهداف الجماعي. العقاب الجماعي. والتمييز. وتجاهل هذا البعد لا يخدم الخطاب المدني. بل يُفرغه من معناه. لأن حقوق الإنسان لا تُدافع عنها عبر التعميم المُريح. بل عبر تسمية الضحية حين تُستهدف.

كوننا جمعيات كوردية لا يضعنا في تناقض مع الخطاب المدني. بل يحمّلنا مسؤولية مضاعفة.. أن ندافع عن الإنسان بوصفه إنسانًا. وألا نتجاهل إنساننا الكوردي حين يُقتل أو يُحاصر أو يُقصَف.

هل الصمت حياد؟

غالبًا ما يُقدَّم الصمت بوصفه حيادًا. لكن في حالات العنف الواضح. الصمت لا يكون حيادًا أخلاقيًا. بل قد يُفهم. عن غير قصد. كتخلٍّ عن أحد أهم أدوار المجتمع المدني.. إيصال صوت الضحايا والدفاع عن حقهم في الحياة. في المقابل. فإن المشاركة في مظاهرات سلمية منضبطة. بخطاب إنساني واضح.. يرفض الحرب يدين العنف ويطالب بحماية المدنيين لا تعبّر عن موقف سياسي. بل عن مسؤولية أخلاقية. هي جوهر العمل المدني نفسه.

لماذا أُسِّست الجمعيات أصلًا؟

سؤال لا بد منه.. لماذا نعمل؟ ولماذا أُسِّست الجمعيات الثقافية والاجتماعية؟ أُسِّست من أجل الإنسان. ومن أجل كرامته. ومن أجل ألا يُترك وحيدًا حين تُنتهك حياته. فإذا كان الإنسان هو الغاية. وإذا كانت حقوق الإنسان هي المرجعية. فكيف يمكن تبرير الغياب حين يُستهدف المدنيون. وحين يكون الضحايا من مجتمعنا نفسه؟

ان الاحتجاج السلمي ضد القتل والحرب ينسجم تمامًا مع جوهر العمل المدني.
وهو. وإن كان خيارًا استراتيجيًا يُتَّخذ بوعي ومسؤولية. إلا أنه يبقى أحد أكثر أشكال المناصرة صدقًا حين تفشل اللغة الباردة في التعبير عن حجم الألم. إن الخروج إلى الشارع. في هذه اللحظة. ليس بحثًا عن دور. بل استعادة لمعنى الدور. وليس دفاعًا عن هوية مغلقة. بل عن إنسان يُقتل لأنه يسكن المكان الخطأ. وينتمي إلى الهوية التي لا تزال تُستباح.

إذا لم نقف هنا. فأين نقف؟ وإذا لم يكن هذا من أجل الإنسان. فلأجل ماذا أُسِّس العمل المدني أصلًا؟

قد يعجبك ايضا